التحدث بـ«العربية».. اعتزاز بالهوية

00:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

يعتقد البعض من أبناء أمتنا للأسف، أن استعمال لغة أجنبية في الحديث مع أبنائهم وأصدقائهم (كالإنجليزية أو الفرنسية وغيرهما) هو دليل رقيّ وحضارة. إنهم يتجاهلون (أو لا يعرفون) أن لغة الضاد تُعدّ ركناً من أركان التنوّع الثقافي للبشرية، كما أنها من اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في مناطق مختلفة من العالم، إذ يتكلمها يومياً ما يزيد على 400 مليون نسمة من سكان المعمورة (وفقاً لمصادر عديدة). 

ويتوزّع متحدثو لغتنا بين المنطقة العربية والعديد من المناطق الأخرى، حيث إن للعربية أهمية قصوى لدى المسلمين، فهي لغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ولا تتم الصلاة كما عبادات أخرى في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها. كما أن العربية هي كذلك لغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الأديان الأخرى في المنطقة العربية، حيث كُتب بها كثير من أهم الأعمال الدينية والفكرية في العصور الوسطى في الأديان المعنيّة، نعم، لغة أمتنا تتيح الدخول إلى عالم زاخر بالتنوع بجميع أشكاله وصوره، كما أنها أبدعت بمختلف أشكالها وأساليبها الشفهيّة والمكتوبة والفصيحة والعاميّة، ومختلف خطوطها وفنونها النثريّة والشعريّة. 

نعم، لقد سادت لغتنا لقرون طويلة من تاريخها، بوصفها لغة السياسة والعلم والأدب، فأثّرت تأثيراً مباشراً أو غير مباشر في كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، مثل التركية والفارسية والكردية والأوردية والماليزية والإندونيسية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى، كما بعض اللغات الأوروبية، بخاصة المتوسطيّة منها.

فضلاً عن كلّ ما سبق، مثّلت لغتنا حافزاً إلى إنتاج ونقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، إضافة إلى أنها أتاحت إقامة الحوار بين الثقافات على طول المسالك البريّة والبحرية لطريق الحرير، من سواحل الهند إلى القرن الإفريقي. وفي إطار دعم وتعزيز تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتحدة، اتخذت الهيئة العامة قراراً بالاحتفال بكل لغة من اللغات الرسمية الست. وبناء عليه، حددت المنظمة الدوليّة الاحتفال باللغة العربية في 18 كانون الأول/ديسمبر 1973 واعتبارها ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في هيئاتها، والمنظمات التابعة لها، وهذا يعتبر اعترافاً رسمياً بلغتنا وتقديراً دولياًّ لها.

 هذا وعقدت الأمم المتحدة ندوات عديدة بعد الاعتراف باللغة العربية كلغة رسمية فيها، تناولت مواضيع عديدة كالتخطيط اللغوي، وأثره في تطوّرها، والبعد التعلّمي والاقتصادي لها، كما حددت مفهوم اللغة الأم لأهل اللغة، ولمستقبلها وأثر الترجمة عليها، مثل اللغة والهوية القومية، شارك فيها عديدون من المختصّين العرب. لذلك، ليس من المفهوم على الإطلاق أن يجري استخدام مفردات أجنبية أثناء الحديث إلى جمهور عربي من إنسان عربي.

 للوهلة الأولى، قد يبدو هذا العرض مثيراً للإعجاب، فشخص مثقّف وعارف، بدليل أنه يعرف جيداً لغة أجنبية وكيف يصف بها الأشياء، ويعبّر بها عن نفسه، لكنّ الآخر قد يرى أنّ هذا الشخص عاجز عن التعبير عن نفسه بلغته الأولى (ما لم يكن قد ولد ودرس وترعرع في بلد غير عربي). هذا في حدّ ذاته إهمال للغة الأم، فمن الندرة بمكان إيجاد شخص غير عربي يعجز عن التعبير عن نفسه بلغته فيخلطها بلغة أخرى وهو يتحدث مع مواطنيه (ما لم يكن قد ولد وكبر في بلده، لذا يتحدث لغة أخرى).

وعندما يتحدث أجنبي بالعربية مع تلفزيون عربي مثلاً، أو مع عربي لا يفهم اللغة الأجنبية، غالباً ما تجري ترجمة ما يقول. يفضّل الجميع أن يتحدثوا بلغاتهم في بلدانهم – إذا كانوا يعتزّون بقومياتهم وهوياتهم، ويحترمون ذواتهم. أما تحدّث العربي بلغة أجنبية حيث لا يلزم – ولو كان عالماً بها كأصحابها- فهو محاولة نسبة المرء نفسه إلى ثقافة يعتقد أنها أرقى من ثقافته.

بالطبع، يمكن التّحدث بالإنجليزية أو الفرنسية في مقابلة عمل تتطلب المعرفة بلغة أجنبية – إذا طلب منه الذي يقابله أن يعرض معرفته باللغة المعنية- لكن مطلق شخص لن يحقق سطوة على مستمعيه باستخدام لغة هجينة بفكرة تفوّق الأجانب وأن «الإفرنجي برنجي». بل إن بعض الدول العربية لا يستطيع مطلق إنسان أن يتدبّر أموره اليومية فيها، ما لم يتحدث لغة غير العربية. في كل أنحاء العالم، يترتّب على المهاجر إليها، أو المغترب الذي يأتي إلى بلد ليعمل أو يعيش فيه، أن يتعلم لغته كشرط لبدء التكيّف وتحقيق شيء.

 يتوجّب أن لا تهون الثقافة العربية على أهلها قبل غيرهم، ذلك «يغرّب» العرب عن لغتهم وهم في أوطانهم هرباً من عناوين هويتهم وقوميتهم. لذا، لا ينبغي أن يكون استعمال لغة غير العربية في الأوطان العربية، حيث لا لزوم لمثل ذلك! وإن حصل فهو علامة على خطأ المتحدث، وهذا ليس دلالة على رقيّه أو ثقافته أو معرفته.

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"