ذكرى رحيل قرنق

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

مرت الذكرى السادسة عشرة لرحيل الدكتور جون قرنق، الزعيم السابق لحركة التمرد الجنوبية، من دون أصداء كبيرة، بل يمكن القول إنها مرت بأصداء خافتة في عاصمتي السودانين، الخرطوم وجوبا وبشكل يصدق عليه غناء الحادي السوداني عن «صحو الذكرى المنسية». وذلك على العكس مما كان يحدث في السابق حيث كانت ذكرى الرحيل الفاجع والغامض للزعيم المتمرد الجنوبي تمر وسط أجواء من الصخب والمشاعر المتدفقة.

لم يكن جون قرنق زعيماً قليل الشأن، فقد كان يمثل المحور الرئيسي البالغ التأثير في المشهد السوداني طوال 22 عاماً عبر حربه الطويلة التي تفجرت منذ نهايات عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، مروراً بحكومة الديمقراطية الثالثة، وصولاً إلى عهد نظام البشير المخلوع ثم بعد توقيع اتفاق السلام الشامل في العام 2005، الذي أتاح للجنوب الحق في استفتاء تقرير المصير واختيار البقاء ضمن الدولة السودانية بحدودها التاريخية المعروفة أو الانفصال وتكوين دولة جديدة، وكرس قرنق نفسه طوال السنوات زعيماً تاريخياً مهما اتفق الناس أو اختلفوا حول أفكاره وحجم إنجازاته أو مستوى سلوكياته القيادية.

وبينما لا يزال الغموض يكتنف مصرع قرنق الذي توفي في الثلاثين من يوليو عام 2005، إثر تحطم طائرة حربية كانت تقله من مدينة كمبالا الأوغندية إلى عاصمته الإدارية في «نيو سايت»، فقد ظلت ذكراه طوال فترة ما قبل انفصال الجنوب السوداني ونشوء الدولة الجديدة تلاقي الاحتفاء اللائق من قبل الشماليين والجنوبيين على السواء، غير أن شكل ومحتوى إحياء ذكرى القائد المؤسس اختلفا كثيراً بعد نشوء الدولة التي كانت مطمح الجنوبيين ومحط آمالهم.

لم يكن جون قرنق زعيماً عادياً، لكن المشكلة أن مشروعه لم يكتمل.. لم يكتمل مشروع السودان الواحد على أساس من المساواة العرقية والدينية الذي كان يروج له بعد تحالف قوى سياسية وعسكرية شمالية مع حركته، فقد فجرت وفاته المفاجئة والغامضة أعمال عنف دموية في الخرطوم وعمقت هوة الثقة بين الجنوبيين والشماليين ما فتح الطريق أمام اندفاعة التيار الانفصالي الذي حسم خياراته في استفتاء تقرير المصير عام 2011.

إضافة إلى ذلك فإن مشروع الدولة الجديدة التي تعلقت بها قلوب الجنوبيين وآمالهم في الحرية والسلام والأمن والازدهار تحول إلى خيبة أمل كبيرة، فقد اندلعت الحرب الأهلية بأهوالها وفظائعها بعد عامين من إعلان الاستقلال، وتواجه الأشقاء بالحراب والبنادق والمدافع وسالت الدماء أنهاراً وارتفعت جدران الكراهية وحصدت النيران آلاف الأشخاص الذين كانوا يعيشون آمنين، وأجبرت المعارك ملايين الأشخاص على الفرار وتمزقت العائلات والوشائج وساد الرعب والفزع ثم عمَّ الجوع وفتكت الأمراض بالأشد ضعفاً، وأصبحت ذكرى الزعيم جون قرنق في هذا الخضم ذكرى بعيدة منسية.

في السابع من يونيو من العام 2019 وفي كلمته في الذكرى السنوية لقيام دولة الجنوب قدم الرئيس سلفاكير اعتذاراً لمواطنيه عندما اعترف بشكل علني بفشل حكومة الحركة الشعبية في توحيد الجنوبيين وتوفير الأمن والاستقرار والصحة والتعليم وإنهاء الفقر.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"