عادي

أفغانستان.. بين صراعات الداخل وحبكات الخارج

22:37 مساء
قراءة 5 دقائق

إعداد: بنيمين زرزور *

لا تلوح في أفق أفغانستان أي بارقة أمل بالاستقرار، ليس فقط بسبب تنازع الدول الفاعلة على السيطرة على القرار في عاصمتها، بل لأن التشكيلة القبلية للأفغان تحول دون اتفاقهم على صيغة سياسية مناسبة لحكم بلادهم، وهو الأهم.

يبدو العالم وقد وضع يديه على قلبه تحسباً لما يؤول إليه الوضع في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية والأطلسية منها، وسط توارد الأنباء السريع حول هجمات حركة «طالبان» التي لا تتوقف، رغم تأكيدها على الحل السياسي في مفاوضات الدوحة، وسيطرتها على مزيد من الولايات الأفغانية.

وتوحي تحركات دول الإقليم بدءاً من باكستان وانتهاء بروسيا والصين، بأن سيطرة الحركة على الحكم في البلاد باتت أمراً مسلماً به؛ حيث تستقبل موسكو وبكين ممثلين عن الحركة في محادثات استباقية لرسم معالم الخريطة الجيوسياسية في مرحلة ما بعد الانسحاب.

ولايات الشمال وفي تفاصيل المشهد على الأرض تتساقط ولايات الشمال الأفغاني منذ أسابيع في يد مقاتلي الحركة الذين سيطروا أيضاً على معابر حدودية استراتيجية مع باكستان وإيران. وكان المشهد الأكثر إثارة سيطرة الحركة على بلخ باعتبارها معقلاً للمقاومة المناهضة ل«طالبان».

وبعد أقل من ثلاثة أشهر من إعلان الرئيس جو بايدن خروج آخر القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر/أيلول، اقترب الانسحاب من الاكتمال. كانت المغادرة من قاعدة باجرام الجوية، شمال العاصمة كابول، بمثابة نهاية للحرب الأمريكية التي استمرت 20 عاماً. لكن هذا لا يعني نهاية الحرب في أفغانستان، بل إن الأمر سيزداد سوءاً.

لقد أنفقت أمريكا وحلفاؤها في «الناتو» مليارات الدولارات على تدريب وتجهيز قوات الأمن الأفغانية، على أمل أن تتمكن يوماً من الوقوف وحدها في وجه الحركات المتطرفة. لكن تلك القوات لم تصمد طويلاً حيث تستولي «طالبان» على مناطق سيطرة القوات الحكومية بدون قتال أحياناً، ويتم تسليمها ببساطة. وما إن خرجت آخر قافلة أمريكية من قاعدة باجرام الجوية حتى فر أكثر من ألف جندي حكومي إلى طاجيكستان المجاورة. وقد علق دبلوماسي غربي بالقول: «الجميع مصدوم من السرعة التي تنهار بها القوات الحكومية».

سيطرة على نصف المقاطعات

وأفادت إحصاءات تجريها بشكل منتظم مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة فكرية في واشنطن، بأن «طالبان» سيطرت على ما يقرب من نصف المقاطعات الأربعمئة في البلاد. وتنفي الحكومة في كابول ذلك، وتقول إن أي انسحاب كان مؤقتاً. صحيح أنها استعادت بعض المديريات، لكن سلسلة الانتصارات أعطت حركة طالبان مزيداً من الزخم الذي يشعر الدبلوماسيون بالقلق من استمراره.

وتجيد حركة طالبان تسويق تقدمها والتحضير لما هو آتٍ؛ حيث تبث صوراً للمعاملة الجيدة التي يحظى بها الجنود المستسلمون. وقد سئم العديد من الأفغان من حكومة لا تقدم فائدة تذكر للمواطنين، وقد لا تعجبهم قيود «طالبان»، لكنهم لا يهتمون كثيراً بالتشكيل الحالي أيضاً.

وبينما تبدو التوقعات بالنسبة للجيش والمدنيين يائسة بشكل متزايد، كذلك تبدو الإجراءات التي اقترحتها الحكومة. ويحاول الرئيس أشرف غني حشد الميليشيات لدعم الجيش الضعيف. وقد لجأ لطلب المساعدة من شخصيات مثل عطا محمد نور، الذي صعد إلى السلطة كقائد مناهض للسوفييت ومناهض ل«طالبان» وهو الآن حاكم ورجل أعمال في مقاطعة بلخ. ويقول نور: «مهما حدث، فسندافع عن مدننا وكرامة شعبنا».

مثل هذه التعبئة ستكون إجراءً مؤقتاً لمنح الجيش فرصة لالتقاط أنفاسه، والسماح له بإعادة تجميع صفوفه. وقد تنسق القوات الجديدة مع القوات الحكومية، لكن احتمال إطلاق العنان للجيوش الخاصة لأمراء الحرب يملأ الكثير من الأفغان بالرعب، ويذكرهم بالفوضى التي سادت فترة التسعينيات. وغالباً ما تنقلب هذه الميليشيات، التي نشأت على أسس عرقية، على بعضها وعلى عامة الناس. ومع رحيل أمريكا وانهيار القوات الأفغانية، تدرس «طالبان» فرصها المتاحة جيداً، فهي لا تبدي جدية في مفاوضاتها مع الحكومة. وتحرص الحركة على عدم الدخول إلى المدن الرئيسية في المرحلة الحالية؛ لأن ما يجري في الأرياف يزيد الضغوط على تلك المدن ما يخلق متاعب حقيقية للحركة. وقد قال المتحدث باسم «طالبان» سهيل شاهين صراحة، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية بداية شهر يوليو/ تموز، إن الاستيلاء على كابول بالقوة «ليس هدف طالبان». قد يكون أفضل مسار لهم هو تشديد الخناق وانتظار الحكومة حتى تنهار. ومن الواضح أن التوقعات الأمريكية لمصير العاصمة تزداد كآبة. وتعتقد أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن حكومة غني يمكن أن تنهار في غضون ستة أشهر.

وعلى صعيد التحركات الدولية التي أملتها مرحلة ما بعد الانسحاب، تسعى العديد من الدول خاصة دول الجوار، للبحث عن دور في مستقبل أفغانستان، إما لتجنب تبعات سيطرة قوى مسلحة عليها، وإما لأغراض أخرى مثل استغلال المعادن النادرة التي تخفيها جبال أفغانستان وتقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.

مفاوضات خلف الكواليس

وكان وجود الولايات المتحدة في أفغانستان على مدى عشرين عاماً، بمثابة قوة داعمة لتحقيق الاستقرار. والآن، يثير احتمال عودة حكم «طالبان» قلقاً كبيراً بين قوى المنطقة. فقد زار وزير الشؤون الخارجية الهندي سين جايشانكار موسكو وطهران، بينما كان ممثلو طالبان في العاصمتين، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هناك مفاوضات تجري خلف الكواليس.

الحدود الطاجيكية

وتعمل روسيا في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم ست دول، لمعالجة المشاكل المحتملة على الحدود الأفغانية الطاجيكية، والتي تخشى روسيا من أن تتحوّل إلى بوابة لتدفق المسلحين إلى دول آسيا الوسطى المجاورة.

وقد تأثرت علاقات باكستان مع الحكومة الأفغانية سلباً نتيجة الانسحاب، وهناك أنباء عن مفاوضات أجرتها إسلام آباد مع «طالبان» حول مقايضة منع الأمريكيين من إنشاء قواعد على الأراضي الباكستانية في مقابل حصول إسلام آباد على مساعدة «طالبان» في ضبط تحركات المسلحين داخل باكستان.

أما الصين فقد تحركت عبر مجموعة شنجهاي التي تضم الصين والهند وباكستان وروسيا وأربع دول في آسيا الوسطى، حيث عقدت الأسبوع قبل الماضي اجتماعاً تصدر الاستقرار الأفغاني جدول أعماله. وأيّاً كانت المعطيات تبدو بكين في وضع مريح للاستفادة من التغيرات الجارية على الأرض، خاصة أن علاقاتها مع كل من باكستان وإيران تخدم مساعيها الراهنة لربط دول المنطقة.

لكن انسحاب الأمريكيين عسكرياً لا يعني إدارة ظهرهم للمنطقة، خاصة أنهم في حالة مواجهة معلنة مع الصين. من هنا يمكن فهم التحرك الأمريكي لزج حلفاء واشنطن في مهمة ضمان استقرار أفغانستان؛ حيث تتولى تركيا تأمين بعض المواقع الحساسة مثل مطار كابول، بينما تجري واشنطن اتصالات مع مجموعة الرباعية الأمنية التي تضم الهند واليابان وأستراليا للتشاور حول أفضل الحلول.

وأخيراً لا تلوح في أفق أفغانستان أي بارقة أمل بالاستقرار، ليس فقط بسبب تنازع الدول الفاعلة على السيطرة على القرار في عاصمتها، بل لأن التشكيلة القبلية للأفغان تحول دون اتفاقهم على صيغة سياسية مناسبة لحكم بلادهم، وهو الأهم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"