د. محمد عزالعرب *
تتجه تونس إلى مسارات متعددة في مرحلة ما بعد اتخاذ الرئيس قيس سعيّد، قرارات حتى تؤتي تلك القرارات ثمارها، في سياق تصحيح مسار ثورة الياسمين، بعد إقالة الحكومة وتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب لمدة شهر بدءاً من 25 يوليو/ تموز الماضي، على أن تكون هذه المدة قابلة للتجديد، وتعيينه رضا غرسلاوي وزيراً لتسيير أعمال وزارة الداخلية، وكذلك إعفاء عدد من مسؤولي الدولة، من أبرزهم الكاتب العام للحكومة، ومدير ديوان رئاسة الحكومة، والمستشارون لدى رئيس الحكومة، ووكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري، والقبض على بعض أعضاء البرلمان، وإصدار قرارات بالمنع من السفر لبرلمانيين ورجال أعمال.

من أبرز تلك المسارات، التي تسلكها تونس، خلال المرحلة المقبلة، ما يلي:

1- بقاء الدولة

يعد الحفاظ على بقاء واستقرار الدولة الهمّ المركزي للرئيس قيس سعيّد في المرحلة الحالية الحفاظ على بقاء واستقرار مؤسسات الدولة التونسية، بعيداً عن محاولات حركة النهضة للسيطرة عليها وتوجيهها لأنه لم يكن لحركة مهما بلغت من قوة تنظيمية وبرلمانية ومالية أن تواجه مؤسسات راسخة وموحدة، على نحو ما تعكسه خبرات الحراك الثوري العربي في موجتيه الأولى (2011) والثانية (2019)، لذا، تؤكد التصريحات الصادرة عن الرئيس بأنه «اختار الوقوف في صف الشعب للحفاظ على وحدة الدولة»، و«أن هناك من يسعى لتفجير الدولة من الداخل»، كما أكد خلال جولة له في العاصمة التونسية في الأول من الشهر الجاري أن «الدولة ليست غنيمة»، و«أن الدولة لكل التونسيين»، واتهم جهات، لم يُسمّها، بالتربص بالبلاد وبالمواطنين، وقال إن هذه الجهات تهدف إلى «ضرب الدولة والمسار».

وهنا تشير تصريحات وتحركات الرئيس قيس سعيّد إلى تعزيز أركان دولة القانون في البلاد، وهو ما يرتبط بخلفيته التعليمية ومسيرته العملية كأستاذ للقانون الدستوري من ناحية، وكذلك يعكس الأداء المنضبط لتفاعلات المرحلة الاستثنائية التي تمر بها البلاد في ظل غياب المحكمة الدستورية العليا من ناحية ثانية، لاسيما أن هناك قطاعات من الرأي العام التونسي لا تزال مترقبة للأداء الرئاسي فيما يتعلق بالحقوق والحريات. بعدما قدمت 30 شخصية تونسية وطنية مطلع الشهر الجاري، رسالة مفتوحة إلى الرأي العام الوطني والدولي، مؤكدة دعمها لاستجابة الرئيس التونسي لمطالب الشعب، وعدم اعتبار قراراته الأخيرة انقلاباً على الدستور ولا على الشرعية، داعية إلى محاسبة الخارجين عن القانون محاسبة قانونية دون أي تشفٍّ ولا انتقام.

2- إزاحة «النهضة»

استغلال تزايد الانقسامات داخل حركة النهضة، إذ تمثلت الخلافات في إعلان 130 عضواً من أعضاء الحركة، بحل المكتب التنفيذي للحركة وتحميل قيادات الحركة مسؤولية الأوضاع الكارثية التي شهدتها البلاد على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والصحية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس عدم أهلية «النهضة» لإدارة شؤون البلاد، بخلاف عدم النزاهة. وهنا، تتزايد الاحتجاجات المطالبة داخل تونس بإحداث تغيير دستوري للتحول من النظام المختلط إلى النظام الرئاسي، وهو ما يقود تباعاً إلى إزاحة «النهضة» عن رئاسة السلطة التنفيذية أو التحكم فيمن يأتي لتوليها.

ولعل ذلك يسحب البساط من تحت أقدام جماعة «الإخوان» في تونس باعتبارها المعقل الأخير للإخوان المتمركزين في السلطة في المنطقة العربية. وقد وضعت الأجهزة الأمنية القاضي المثير للجدل بشير العجرمي، تحت الإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً قابلة للتجديد، ومنع الاتصال به إلاّ عبر وسيلة اتصال محل ترخيص ممن له النظر في تنفيذ قرارات السلطة العامة، والذي توجه إليه اتهامات محددة بالتستر على ملفات من شأنها إدانة قيادات وأعضاء حركة النهضة، وتحصين زعيم الحركة راشد الغنوشي من الملاحقة والتحقيق، خاصة وأن العجرمي شغل منصب قاضي التحقيق المكلف بالتحقيق في جريمة اغتيال السياسيين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي منذ عام 2013.

3- محاربة الفساد

تفكيك الشبكات التحتية للفساد، وهو ما أشار الرئيس قيس سعيّد إليه بكونه يسعى إلى حماية الدولة من الفساد الذي ينخر في مفاصلها، ولابد من العدالة أن تأخذها مجراها لوضع حد لنهب ثروات الشعب التونسي، إذ سلط الضوء على وجود مئات المليارات (4 مليارات يورو تقريباً) التي تم نهبها من الشعب التونسي ويجب استردادها، مستنداً في ذلك إلى تقرير وضعته لجنة «تقصي الفساد» الحكومية، الذي يتضمن أسماء 460 شخصية متورطة في تلك القضايا، بمن فيهم الرئيس الأسبق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي طبيب في تهم منسوبة له تتعلق بالتلاعب في ملفات المصالحة وتضارب المصالح. وخلال الأيام القليلة الماضية بدأت التحقيقات مع عدد من أعضاء البرلمان المتهمين في قضايا فساد، وذلك بعد رفع الحصانة البرلمانية عنهم.

كما يحاول الرئيس سعيّد، صياغة مشروع قانون جديد يهدف إلى عقد تصالح جزئي مع رجال الأعمال المتورطين في قضايا الفساد مقابل إرجاعهم للأموال المنهوبة، وفي هذه الحالة سوف تحدث انتعاشة كبيرة في الاقتصاد الوطني عبر إنشاء مشروعات تنموية وتوفير فرص عمل جديدة للشباب، ومن ثم إيجاد قاعدة شعبية للرئيس مؤيدة لإجراءاته.

4- الضغوط الخارجية

هامشية الخارج.. عبر امتصاص الضغوط الممارسة من الخارج، والتي تقوم بها تحديداً الولايات المتحدة، إذ كانت تراهن على مشروع جماعات وتيارات الإسلام السياسي «الحكومات الملتحية» في أعقاب ما كان يعرف بالربيع العربي. ولعل ما قام بها الرئيس قيس سعيّد يضع فرملة لآخر عربة في قطار هذا المشروع بعد سقوط «الإخوان المسلمين» في بلدان عربية عدة، الأمر الذي يفسر تصريح المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، الذي قال إن «على تونس ألا تُبدد مكاسبها الديمقراطيّة. ستواصل الولايات المتحدة الوقوف إلى جانب الديمقراطية التونسية، فضلاً عن الحملة التي تقودها بعض شركات العلاقات العامة (التي تعاقدت معها حركة النهضة) لتشويه صورة الرئيس قيس سعيّد واعتبار أن ما حدث في تونس «انقلاب على المؤسسات المنتخبة».

خلاصة القول أن المرحلة المقبلة على الأرجح ستشهد تطورات متزايدة على صعيد تقوية مؤسسات الدولة في مواجهة حركة النهضة، شريطة دعم الرأي العام الداخلي ودعم مالي وسياسي من الدول العربية الصديقة والشقيقة لتونس، بما يمكن البلاد من تجاوز ملفات ضاغطة على صُعُد مختلفة، حتى لا تعود النهضة من منافذ أخرى.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية