وعي مغاربي جديد

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

كأن ملامح مرحلة جديدة بدأت تتشكل بين دول المغرب العربي في ضوء تطورات فارقة، بدأت مع الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة، ثم الحركة التصحيحية في تونس، فخطاب العرش الثاني والعشرين للعاهل المغربي الملك محمد السادس وما تضمنه من دعوات ملحة لتجاوز الخلافات مع الجزائر، وقبل ذلك وبعده استمرار الخطوات الإيجابية لتفكيك الأزمة الليبية.

للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات يخيم على دول المغرب العربي مناخ سياسي يميل إلى التفاؤل بعيداً عن منغصات الماضي، وتجاوزاً لمرحلة اتسمت بالشك والريبة، خصوصاً مع زوابع ما يسمى «الربيع العربي» التي ضربت تونس، وأدخلت ليبيا في حرب أهلية، وأبقت الدول الثلاث الأخرى، الجزائر والمغرب وموريتانيا، في حالة استنفار نسبي، لكنها أجرت، دون فوضى، تغييرات سياسية جوهرية، مثلما حصل مع إطاحة النظام الجزائري السابق بحراك شعبي سلمي، كما انتهجت ذات الدول الحوكمة الرشيدة وقادت حملات واسعة على الفساد، وهو ما مكن من تجنب الانزلاق إلى العنف والإرهاب، وألجم مخططات التدخلات الأجنبية التي اختطفت القرار الوطني في ليبيا وبدرجة أقل في تونس.

مؤشرات تجاوز هذه المرحلة تعززت في الأيام الأخيرة بإجراءات الرئيس التونسي قيس سعيّد بتجميد عمل البرلمان وإطاحة منظومة حركة النهضة الإخوانية وإطلاق عملية تصحيحية جذرية تحظى داخلياً بتأييد واسع النطاق، وبارتياح مغاربي كبير أعربت عنه البيانات الرسمية الصادرة من الجزائر والرباط ونواكشوط وطرابلس الداعمة لقرارات الرئيس سعيّد، الذي استقبل وزيري الخارجية المغربي ناصر بوريطة، والجزائري رمطان العمامرة في مناسبتين، ونائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي. وتطابقت مواقف الجميع في اعتبار أن الحدث التونسي سيساهم في تصحيح الكثير من الأوضاع المغاربية، وأهمها ما يتعلق بالشكوك المشروعة حول بعض أحزاب الإسلام السياسي ودورها في تسميم الأجواء الإقليمية.

الحدث المفصلي الآخر بلوره خطاب العرش المغربي الذي وجه فيه الملك محمد السادس دعوة صادقة إلى الجزائر للعمل معاً، دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية، أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار تنتهي بفتح الحدود المغلقة منذ سنوات. ويبدو أن هذه الدعوة قد ساهمت نسبياً في تهدئة التوتر السياسي والإعلامي الذي ساد بين البلدين خلال الأسابيع الماضية. وبنظر مراقبين مغاربيين فإن الخطاب الملكي يدفع باتجاه التكاتف والتعاضد والتعاون والإخاء، ليس بين الجزائر والرباط فحسب، وإنما بين جميع شعوب المنطقة.

في هذه اللحظة الوجودية يبدو قادة المغرب العربي أقرب إلى نبض شعوبهم التي ترنو، منذ زمن بعيد، إلى التكامل، فعهد التوتر والانطواء والحذر يجب أن يطوى، وأن يجترح المغاربيون مجتمعين حلولاً جديدة للخلافات القديمة والتحديات المستجدة. كما يجب استثمار التطورات الإيجابية المتزامنة في أكثر من بلد عسى أن ينبثق وعي مغاربي جديد يساعد على تغيير وجه المنطقة، ويجعلها تكتلًا وفياً لتضحيات التاريخ المشترك ويلبي طموحات الأجداد وتطلعات الأجيال الحالية والقادمة. 

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"