الهجوم السيبراني والحرب العالمية «القادمة»

00:31 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

ما يجري في العالم لا يُحيّر العقلاء فحسب، وإنما يُربكهم، ويجعلهم يطرحون العديد من التساؤلات التي لا تُوجد لها أجوبة واضحة لا حاضراً، وربما لن يجيب عنها المستقبل القريب، حيث يضعنا المشهد الآن، أمام حرب عالمية ثالثة، لن تكون  بالطبع  كسابقتيها. وأصبح المتفائلون بنظام دولي جديد  تتحقق من خلاله العدالة المرتقبة من جانب شعوب ودول العالم  أكثر توجساً وقلقاً من تزايد الصراعات في العالم دينياً وعرقياً ومذهبياً واقتصادياً وسياسياً.

لقد أصبح الجميع يُدركون أن الصراع هو السمة الغالبة في العلاقات الدولية، وبخاصة بين الدول الكبرى التي يضطرب فيها التوازن الجيوبوليتيكي بين القوى الكبرى، والتي تضطرب فيها معادلات التوازن الاستراتيجي العسكري. وعلى نحو مباشر يمك

ن القول إن هذه الحرب قد تبدأ شرارتها بسبب سقوط الإنسانية، وسقوط المقومات الأساسية للتجارب الإنسانية القاسية، في ظل ضبابية الرؤية وعدمية الحياة، حيث باتت الحرب السيبرانية اليوم، من أخطر وأشد أنواع الحروب فتكاً، نظراً لاعتماد مختلف الدول، لاسيما المتقدمة منها، على التكنولوجيا الرقمية لحفظ المعلومات والسجلات، وتسيير المصانع والمعامل ومختلف مناحي الحياة الاقتصادية. 

وتعد الولايات المتحدة أكثر دول العالم تطوراً على مستوى تكنولوجيا العالم الرقمي، حيث أصبحت الأتمتة تشمل مختلف مؤسساتها ومرافقها الحيوية. وهي تتعرض، بسبب ذلك، لهجمات متكررة بين فينة وأخرى، من جهات غير معروفة، لكن المسؤولين الأمريكيين يوجهون أصابع الاتهام دائماً للغريمين التقليديين: روسيا والصين، حيث تتهمهما واشنطن بالعمل الدائم على زعزعة الاستقرار الاقتصادي في الولايات المتحدة. وقد قال الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطاب ألقاه في 28 يوليو 2021، إنه يعتقد أنه إذا «نشبت حرب حقيقية مع قوى كبرى» فسيكون ذلك على الأرجح «نتيجة لاختراق إلكتروني له عواقب وخيمة».

وكان الأمن الإلكتروني قد تصدر جدول أعمال إدارة بايدن، بعد سلسلة من الهجمات البارزة على كيانات، منها شركة «سولارويندز» لإدارة الشبكات، وشركة «كولونيال بابيلان» لخطوط أنابيب الوقود، وشركة «جي. بي. إس» لمعالجة اللحوم. وهي هجمات ألحقت ضرراً كبيراً بالولايات المتحدة. 

والواقع أن الهجمات السيبرانية لا يمكن إيقافها مهما اجتهدت الدول في إنشاء جدران إلكترونية على بياناتها وعالمها الرقمي، فهناك خبراء تقنية، وكذلك بعض الهواة، يستطيعون تفكيك أية شبكة عازلة، والوصول إلى أهدافهم بسهولة ويسر. وهؤلاء قد لا يكونون مرتبطين بدولة معيّنة وقد يكونون كذلك، لكن من الصعب إثبات ارتباطهم بهذه الدولة أو تلك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن تهديد بايدن بالحرب ضد روسيا والصين، ينبع من إرادة أمريكية حقيقية لافتعال حرب فاصلة بين بلاده وبين هاتين الدولتين اللتين تمثّلان بقية المعارضة للولايات المتحدة بشأن التحكم في العالم لألف سنة قادمة.

 فإذا تم الخلاص من هاتين الدولتين فلن تكون هناك قوة في العالم تجرؤ على تحدي مصالح الولايات المتحدة، وبالتالي يتحقق حلمها في السيطرة على العالم منفردة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق ذلك الحلم. فهي اليوم، قاطرة الاقتصاد العالمي، وعملتها هي عملة العالم التي لا خلاص منها، وهي تقود حروباً دولارية لا هوادة فيها لتدمير اقتصاد الدول المعادية لها، لكن في حال حدثت مثل تلك الحرب الشاملة، فإنها لن تنتهي نهاية سعيدة، لا للولايات المتحدة وحدها؛ بل لخصومها كذلك، حيث سيعم الدمار في تلك الدول وكذلك دول الجوار، ولذلك فالحكمة تقتضي الابتعاد عن الحلول التدميرية، والعمل على إيجاد قواسم مشتركة، والقبول بمبدأ المنافسة في كل شيء، فإذا تعرضت الولايات المتحدة مثلاً، لهجوم سيبراني يمكنها أن تنفّذ هجوماً مماثلاً ضد تلك الدولة، وهي لا شك تفعل ذلك، وأكثر منه.

 أما الذهاب إلى إشعال حرب عالمية، بحجة مواجهة الهجمات الإلكترونية، فهذا مجرد حجة هدفها التغطية على التوجّه الحقيقي للولايات المتحدة، وسعيها الجدّي للدخول في حرب فاصلة مع أعدائها، وربما نحن نعيش فترة المخاض لتلك الحرب، وليس الرعب الذي صاحب وباء كورونا وخلّف ملايين القتلى والمصابين، وأصاب الاقتصاد العالمي بالشلل، سوى إنذار لمدى الرعب الذي سيجتاح العالم من مثل هذه الحرب المقبلة، إذا ما وقعت.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"