تشويش على توقعات أسواق السلع قصيرة الأجل

21:25 مساء
قراءة 4 دقائق

أولي هانسن *

دخل قطاع السلع الأساسية شهر أغسطس في موقف دفاعيّ، مدفوعاً بمزيج من ضعف البيانات الاقتصادية الصينية، وسرعة تفشّي المتحوّر دلتا من فيروس كورونا، ما جدّد المخاوف بشأن توقعات الطلب على المدى القصير. وانخفضت تداولات السلع المعتمدة على النمو مثل النفط الخام والمعادن الصناعية، فيما بذلت المعادن الثمينة جهوداً كبيرة لرفع أسعارها رداً على انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية في يوليو، وشهدت تداولات منخفضة، حيث ارتفعت العائدات وأسعار الدولار بعد التصريحات المتشددة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتقرير الوظائف الأمريكي القوي.

وحافظت السلع الزراعية مثل السكر والقمح على أدائها القوي، وتلقّت دفعة مما كان حتى الآن موسماً شديد التقلّب في بعض مناطق النمو الرئيسية في العالم. وارتفعت تداولات أسعار الغاز في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عامين ونصف العام، وبلغت مستويات قياسية في أوروبا، حيث استأنفت إظهار القوّة وسط شح العرض في فترة الطلب القوي، ما يثير مخاوف بشأن عدم توافر المخزونات الكافية قبل ذروة الطلب في الشتاء.

أسعار النحاس

وخلال الشهرين الماضيين، وبالرغم من نطاقها المحدود، تحوّلت سوق النحاس من وضعية التفاؤل الشديد لتتخذ موقفاً أكثر حذراً. واتجهت مجموعة كاملة من القوى المتعارضة في الأسابيع الأخيرة نحو سحب السعر في اتجاهين متعاكسين، ما أثار بعض الشكوك بشأن التوجهات على المدى القريب. وبشكل عام، ما زلنا نشهد اتجاهاً تصاعدياً أكبر مع وصول سعر رطل النحاس عالي الجودة إلى 5 دولارات أمريكية في نهاية المطاف. وقد لا يتحقق ذلك حتى عام 2022، عندما سيقلّ حجم العرض في السوق، نظراً لاستمرار الطلب على النحاس من مبادرات التحول الأخضر ومشاريع البنية التحتية ذات الصلة. وبالرغم من مخاطر وقوع التباطؤ في الصين، سيسلّط نمو الطلب في أماكن أخرى الضوء على مخاطر عدم تلبية الطلب المتزايد – في المدى المتوسط على أقل تقدير – عبر زيادة العرض الذي يميل أكثر نحو عدم المرونة.

وفي الوقت الراهن، تحظى أسعار النحاس بدعم مخاطر وقوع اضطرابات متزامنة في ثلاثة مناجم رئيسية في تشيلي، وعلى رأسها إسكونديدا، المنجم الأكبر. على أي حال، نشهد حالة من الشكوك المرتبطة بمؤشرات التباطؤ في الصين، والتأثر العام للنموّ بالتفشّي الحالي للمتحوّر دلتا من فيروس كورونا. وتعرّض الطلب على النحاس المكرّر لانتكاسة طفيفة بعد أن تراجع صنّاع السياسة الصينيون عن مخطط حظر واردات المعادن الخردة، وتصريحات ريتشارد كلاريدا، نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، المتشدّدة في وقت سابق من هذا الأسبوع حول إعادة الطلب إلى مستوياته الطبيعية، ما قد يؤثر سلباً في إقبال المستثمرين على المعادن كعامل تنويع وتحوّط من التضخم.

عقود القمح 

وشهدت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو التجارية تداولات لامست أعلى مستوياتها في مايو قبل أن تمرّ بمرحلة صغيرة من جني الأرباح. وتشير التطورات السلبية في الطقس بشكل متزايد إلى تقلص الإمدادات العالمية جراء التوقعات بانخفاض الإنتاج في كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهما من كبار المصدّرين. وأثرت الأمطار في جودة الحبوب في أجزاء من أوروبا والصين، فيما خفّضت الحرارة والجفاف من توقعات الإنتاج في روسيا وأمريكا الشمالية. وبحسب آخر تقارير التزام المتداولين، توجّه المضاربون فقط نحو تغيير مراكزهم في القمح إلى صافي عقود شراء مجمّعة؛ وقد يجبرهم مزيد من الزخم الإيجابي في الأسعار، وبدعم من الأساسيات الصعودية، على مواكبة الاتجاه المتصاعد للسوق.

النفط الخام 

كما شهد النفط الخام تداولات منخفضة، وبعد عدة أشهر انصبّ فيها التركيز الرئيسي على أوبك بلس وقدرتها على دعم الأسعار عبر الحفاظ على التشديد النسبي في السوق، عاد التركيز مجدداً نحو التوقعات غير المؤكدة للطلب جراء التفشّي السريع للمتحوّر دلتا، ولا سيما في الصين التي تعتبر المستورد الرئيسي. وهو تطور أدى إلى انخفاض تصنيفات النمو، وإثارة تساؤلات حول توقعات الطلب على المدى القصير على منتجات النفط والوقود من أكبر مشترٍ في العالم.

وتأتي التطورات الأخيرة لتبرّر المنهجية الحذرة التي تستمر أوبك بلس باعتمادها تجاه زيادة الإنتاج بسرعة كبيرة، وفي وقت مبكر جداً؛ وتسلّط الضوء على أسباب حرص المملكة العربية السعودية، وغيرها من كبار الأعضاء في المجموعة، على إطالة نظام الحصص الحالي إلى ما بعد أبريل المقبل.

ويرجّح أن تمنع المرونة التي أظهرتها أوبك بلس خلال العام الماضي تحقيق تصحيح أعمق، إذا عانى نموّ الطلب من رياح معاكسة أكبر من المتوقع جراء التفشّي الحالي. وبناء على ذلك، ونظراً لعدم استجابة المنتجين الأمريكيين بالرغم من ارتفاع الأسعار، فإننا نحتفظ بتوقعاتنا المتفائلة حول توجّه الأسعار.

المعادن الثمينة

 كانت الأسباب التي منعت تداولات الذهب من الارتفاع قليلاً من أول التساؤلات التي توجّب عليّ طرحها بعد عودتي من العطلة. وشهدت عائدات سندات الخزانة الأمريكية انخفاضات حادّة خلال الشهر الماضي. وبالرغم من عدم التغيّر الكبير في توقعات التضخّم، انخفضت النسبة المعدّلة للتضخّم - أو العائد الحقيقي - إلى مستوى قياسيّ متدنّ عند 1.22%-. ونظراً للعلاقة العكسية والقوية بين العائدات الحقيقية والذهب، وقع المشاركون في حيرة كبيرة جراء فشل ارتفاع الأسعار الشهر الماضي، ما قد يؤدي إلى بعض التصفية الطويلة خوفاً من عدم التوازن بين انتعاش العائدات ومستوى الركود.

ومن جهة أخرى، شهدت الفضة نزوحاً أكبر، وانخفضت قيمتها النسبية أمام الذهب إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر بعد أن تجاوزت تداولات نسبة أسعار الذهب إلى الفضة 72 أونصة من الفضة مقابل أونصة واحدة من الذهب. ورداً على هذا الأداء المخيّب للآمال، خفضت صناديق التحوط مؤخراً من صافي عقود الشراء المجمّعة إلى 21 ألف لوت فقط، وهو أدنى مستوى خلال أربعة عشر شهراً. وتتطلب عودة ألق الفضّة أن تتراجع هذه النسبة إلى ما دون 70 أونصة. وليتحقق ذلك، ينبغي أن يصمد الذهب أولاً أمام التحديات المحتملة على المدى القريب والناجمة عن العائدات المنتعشة.

ومع تراجع الذهب والفضة، كان البلاتين الأكثر تضرّراً بين المعادن شبه الصناعية، واتسع فارق أسعاره أمام الذهب إلى 800 دولار أمريكي من أدنى مستوياته في أبريل عند 300 دولار. وتمثلت الأسباب في النقص الحالي للرقائق الذي أدى إلى كبح إنتاج السيارات وزيادة مبيعات السيارات الكهربائية، والتفشي الأخير للمتحورّ دلتا.

* رئيس استراتيجية السلع لدى «ساكسو بنك»

عن الكاتب

رئيس استراتيجية السلع لدى «ساكسو بنك»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"