ظاهرة العنف السياسي

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

يرتبط العنف بكل أشكاله ومستوياته بالسياسة ارتباطاً لا فكاك منه، وقد عكف الباحثون منذ سنوات طويلة وما يزالون، على دراسة مفهوم العنف، أنواعه ودوافعه وارتباطه بالسلطة السياسية والنتائج المحتملة لممارسته في النطاقات المختلفة، وطرحوا في هذا المجال العديد من الآراء والنظريات التي توضح جوانب هذه الظاهرة المرتبطة بالإنسان منذ أقدم العصور، والسابقة لظهور السلطة السياسية، ومؤسسات الدولة الحديثة المعروفة.

هناك بشكل عام خيط رفيع يمكن أن يميز بين العنف السياسي وسياسة العنف، وإن كانا يهدفان إلى تحقيق الأهداف ذاتها، لكن بمستويات متباينة اعتماداً على حجم الأعمال العنيفة، وطبيعة الأدوات المستخدمة، وحدود قدرة الجهة المتورطة في أعمال العنف ونطاق تأثيراتها الجغرافية والاجتماعية.

فالعنف المتبادل بين الحكومات الشرعية وجماعات التمرد المسلحة مثلاً، يختلف اختلافاً نوعياً عن أشكال العنف الفئوية التي يمارسها مجتمع ما ضد فئة من فئاته، كمثال العنف ضد المرأة، وهو نوع من العنف يهدف إلى ردع النساء، وتقويض كفاحهن لنيل الحقوق السياسية، وفي الأغلب الأعم فإن القهر اللفظي هو السلاح المستخدم في مثل هذا النوع من العنف، لكن قد تستخدم الأسلحة النارية والبيضاء في حالات أخرى. ومثال ذلك ما ترتكبه حركة «طالبان» وجماعة «داعش» والجماعات الإرهابية. وأيضاً في حالات إساءة استخدام السلطة الروحية في المجتمعات المتخلفة، وفي الملاعب الرياضية هناك نوع من العنف يعرف بالعنف القانوني، لكنه عندما يتجاوز حدوداً معينة يكون عرضة للعقوبات.

ويتفق أغلب الباحثين على أن العنف يصبح سياسياً عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية، على الرغم من الاختلاف في طبيعة ونوع الأهداف والقوى المرتبطة بها. والتعريف الأكثر شيوعاً للعنف السياسي يقول: إنه «استخدام القوة المادية، أو التهديد باستخدامها، لتحقيق أهداف سياسية».

ويقدم المؤرخ الألماني كارل فون كلاوزفيتز التعريف الأشد تأثيراً في العصر الحديث؛ حيث يقول: إن الحرب امتداد للسياسة أو ممارسة لها بوسائل أخرى. وتجسّد الحرب أعلى أشكال العنف؛ من حيث القوة النارية الكبيرة، والضحايا الكثر الذين يسقطون قتلى أو جرحى، والخسائر الكبرى التي تلحق بالقرى والمدن والاقتصاد والمقدرات.

والصراعات التي تنشب بين الدول هي من أنواع العنف الأشد تدميراً، إلا أن هناك أنواعاً أخرى من العنف تمارسه السلطة القائمة الحائزة شرعية استخدام القوة على جماعات معينة من المواطنين أو حركات تمرد مسلحة، ويُعرف العنف في هذه الحالة باسم «العنف الرسمي أو الحكومي».

وهناك نوع آخر من العنف يتفجر بسبب الصراع بين عناصر وتيارات النخبة الحاكمة، وقد تصل حدة هذه الصراعات أحياناً إلى الصدام المسلح، ويتم توظيف المؤسسات العسكرية الرسمية، لحسم نتائجه لمصلحة أحد الأطراف. 

ويتحدث الباحثون عن نمط «لا عقلاني» من العنف، وهو نمط يفتقد لأية أهداف موضوعية، ويثور بين جماعات أفكارها مختلفة أو ضد سلطة المجتمع. ويقول الباحثون إن اتساع دائرة الصراع والعنف تعد مؤشراً لعدم الاستقرار السياسي، بسبب ما يخلفه من حالات الفوضى والتفكك في المجتمع.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"