من أثر عظمة الإسلام في الاهتمام بحقوق الإنسان، الإحسان إليه بعد وفاته، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده. ومع أن الميت انتقل إلى عالم الآخرة، إلا أن الشريعة الإسلامية أقرت له حقوقاً على الأحياء، منها الإسراع بتجهيزه إلى الله، عز وجل، وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه والصلاة عليه وتشييعه إلى قبره.
يذكر عماد حسن أبو العينين في كتابه «حقوق الإنسان في الإسلام»، أن من الحقوق التي شُرعت للميت تغسيله، ويرى جمهور العلماء أن غسل الميت فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن جميع المكلفين. عن أُمّ عَطِيّةَ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفّيَتْ ابْنَتُهُ فقالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلاَثاً أوْ خَمْساً أو أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الاَخِرَةِ كَافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإذَا فَرَغْتُنّ فَآذِنّنِي، فَلَمّا فَرَغْنَا آذَنّاهُ، فَأعْطَانَا حَقْوَة، فقالَ أشْعِرْنَهَا إيّاهُ».
كما يكفن الميت بما يستره ولو كان ثوباً واحداً، وهو فرض كفاية، فعن خَبَّاب قَالَ: (هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنْ إِذْخِرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا).
من المتفق عليه بين أئمة الفقه أن الصلاة على الميت فرض كفاية؛ ولَهَا فضلٌ عظيمٌ؛ فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رضى الله عنهْ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ انْتَظَرَ حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ قَالُوا وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ».
أجمع المسلمون على أن دفن الميت، ومواراة بدنه فرض كفاية، وهذا الدفن رحمة لبنى آدم، فلولاه لاحتار الإنسان فيما يفعله بِهَذِه السوءة، وهذا عين ما حدث لابن آدم الأول؛ قال تعالى: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ» (سورة المائدة – الآية 31).
ومن الحقوق الثابتة للميت تعزية أهله، والتصبير والحمل على الصبر، بذكر ما يخفف عن المصاب حزنه ويهون عليه مصيبته، فعن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: عَنْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وإذا كان على الميت دين في العبادات فمن حقه أن يقضيه أي مسلم هذا الدين، لما رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ: «نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»، ولما رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ».
وفاء الزوجة
يجب على المرأة أن تُحدَّ على زوجها أربعة أشهر وعشراً، قال تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (سورة البقرة – الآية 234].
وتحد المرأة على زوجها أي ترك ما تتزين به المرأة من الحلي والكحل والحرير والطيب والخضاب؛ وإنما وجب على الزوجة ذلك مدة العدة من أجل الوفاء للزوج ومراعاة لحقه.
ويقول د.مروان إبراهيم القيسي في «موسوعة حقوق الإنسان في الإسلام» إنه من حق الميت على أوليائه المبادرة لسداد ديونه من ماله ولو أتت ديونه عليه كله، فإن لم يكن له مال فمن حق الميت على ذويه، لاسيما أولاده من أبناء وبنات، فعل ذلك، إن استطاعوا، فإن لم يكن باستطاعتهم، فعلى الدولة المسلمة واجب أداء هذا الحق، فإن لم تفعل وأداه بعض المسلمين فهو جائز. وسداد دين الميت ذو فائدتين، إحداهما المحافظة على سمعته بعد موته، والأخرى رحمة له من أن يُعذب بدين لم يوفه لصاحبه ومستحقيه.
فضلاً عن هذا، فإن للميت حقوقاً بعد دفنه، منها أن يقف بعض المشيعين، ولاسيما أولياء الميت، على القبر بعد الدفن لنحو ستين دقيقة يسألون له الثبات، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل»، أخرجه أبو داود. ومن حقوقه أيضاً إنفاذ وصاياه، وهذا الحق مشروط بقدرة أولياء الميت على ذلك، وألا يوصى بما هو غير مشروع، قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلَى المُتَّقِينَ» (سورة البقرة – الآية 180)، ومن حقوقه أيضاً المحافظة على أسراره عموماً التي كان يحرص على كتمانها خلال حياته، وعلى سرية المعلومات التي لم يأذن وهو في مرضه الأخير بإعلانها فيما يخص مرضه.