النخب والمساءلة بإفريقيا

فشل الحوكمة واستشراء الفساد والحروب الأهلية
22:12 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ويل أديبانوي وروجرز أوروك
* ويل أديبانوي أستاذ كرسي رودس للعلاقات العرقية ومدير مركز الدراسات الإفريقية بجامعة أكسفورد.
** روجرز أوروك محاضر، قسم الأنثروبولوجيا، جامعة ويتواترسراند، جوهانسبرغ (جنوب إفريقيا)

شهد العديد من البلدان الإفريقية تجارب مريرة في العهد الاستعماري، لكن هذه المرارة لم تنته بعد في مرحلة ما بعد الاستعمار، بسبب الفشل في الحوكمة واستشراء الفساد والحروب الأهلية وغياب الشفافية. يلقي الكتاب الضوء على هذه الجوانب، ويركز على أهمية المساءلة بين النخب الإفريقية لإرساء قواعد الديمقراطية.

يعاين هذا الكتاب السبل التي توفر بها المساءلة عدسة تفسيرية فعالة في وجه أشكال النضال الاجتماعي والثقافي والمؤسسي لكل من النخب والمواطنين العاديين في إفريقيا، ويبحث في مسائل السلطة ومداولاتها العامة ومفاوضاتها من خلال دراسة النخب عبر إطار المساءلة.

 يدخل الكتاب في نقاشات حول القضايا السياسية وكافة أشكال النضال حول الهويات والانتماء، إلى جانب التمثيل والشرعية. ويطرح أسئلة مثل: من يتحدث لمن؟ وعمن يتحدثون؟ يقدم المساهمون في هذا الكتاب تحليلات دقيقة لكيفية دمج هذه المخاوف في أشكال أوسع من المناقشات الثقافية والاجتماعية والمؤسسية عن الشفافية والمسؤولية الجماعية وحفظ المجتمع وعمليات صنع القرار. وفي الواقع، تؤثر هذه المخاوف في آفاق الرقابة الديمقراطية، فضلاً عن مسائل الاغتراب والحصرية والامتياز والعجز الديمقراطي.

 هل يمكن مساءلة النخبة؟

 يساعدنا المؤلفان على فهم معنى وأهمية مساءلة النخبة في السياق الإفريقي بغية دراسة الممارسات السياسية فيها. يعلق المؤلفان: «تقدم سياسة المساءلة في إفريقيا روايات جديدة وديناميكية ومتنوعة عن النخب وممارساتها في المساءلة والشرعية محلياً، إضافة إلى روايات تضيء على النخب الإفريقية المعاصرة فيما يتعلق بنتائجها الاجتماعية والتاريخية في التفاوض والتسويات».

 ويقولان: «إن الاتجاه السائد في عودة الحكم الديمقراطي التعددي في معظم البلدان الإفريقية منذ أواخر الثمانينات هو التركيز على المساءلة. لقد اكتسبت الفكرة تفسيرات مختلفة... حتى في الأنظمة التي تكون ديمقراطية بالاسم فقط أو شبه ديمقراطية، فقد أصبح التركيز على محاسبة السلطة والحكم وامتيازاتها، سواء من قبل أصحاب السلطة أو من قبل الخاضعين لها. ظهرت أشكال المساءلة في التحولات التي حدثت في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لكنها بنيت على استجابة للحقب الاستعمارية المتأخرة وما بعد الاستقلال المباشر. فقد أدت الأشكال المتعددة للسلطوية وأنماط حكمها غير الخاضعة للمساءلة في الفترات السابقة بطرق مختلفة إلى انهيار التطلعات الجماعية للديمقراطية [المتعددة الأحزاب] والعدالة الاجتماعية في معظم البلدان الإفريقية. لذلك، فإن هذه الخلفية التاريخية لحقبة ما بعد الاستعمار مباشرة، تشكل سياقاً مهماً لسياسة المساءلة المعاصرة».

 ويضيفان: «تعكس حملتان حديثتان للمواطنين في جنوب إفريقيا ونيجيريا ضد الفساد الرسمي وغياب المساءلة الديمقراطية، النضال المعاصر لتحدي السلطة/النخبة الحاكمة في القارة وضمان المساءلة. كانت الحملة الأولى هي احتجاجات عام 2017 في جوهانسبرغ، جنوب إفريقيا، تحت شعار «يجب أن يسقط زوما». المواطنون الذين حملوا لافتات كتب عليها «زوما ليس رئيسي» اتهموا رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما ب«الاستيلاء على الدولة» وإدارة الفساد المستشري. وطالب المتظاهرون باستقالته. نتيجة لهذه الضغوط جزئياً، استقال زوما من منصبه في فبراير 2018. ومنذ ذلك الحين، زوما والإخوان جوبتا (ثلاثة رجال أعمال مولودين في الهند مرتبطون بزوما) انخرطوا في معارك قانونية أمام هيئة الادعاء الوطنية في جنوب إفريقيا. أما في نيجيريا، فقد نُظمت احتجاجات «OurMumudondo» في لاغوس وأبوجا في عامي 2016 و2017 ضد عدم كفاءة الرئيس محمد بخاري، الذي وصل إلى السلطة في عام 2015. وصف المتظاهرون أنفسهم بأنهم «تحالف من جميع النيجيريين الغاضبين والمضطربين والمحبطين». لقد أرادوا إنهاء «العمل بصورته الاعتيادية». لاسيما في سياق القيادة البطيئة للرئيس بخاري وغياباته الطويلة في المملكة المتحدة أثناء العناية بصحته المتدهورة على فترتين في عام 2017».

 يوضح المثالان التطلعات السياسية الجماعية للمواطنين ونضالاتهم من أجل مساءلة النخب السياسية (وأحياناً الاقتصادية) في إفريقيا. تُظهر الاحتجاجات أنه في سياق السعي إلى المساءلة، يمكن للجماهير (على الرغم من أنها تقودها أحياناً نخب متنافسة أو محتجة) تعبئة القدرة التنظيمية لتحقيق الواقعية، حتى لو كانت مشكلة عرضية للنخبة الحاكمة.

 يجد المؤلفان أنه على الرغم من أن نتائج الاحتجاجات في جنوب إفريقيا ونيجيريا تختلف اختلافاً كبيراً بسبب اختلاف الثقافات المؤسسية والسياسية، فمن المهم في كلا السياقين ملاحظة أن الضغوط الاجتماعية والسياسية أكبر على النخبة لتكون أكثر عرضة للمساءلة. نيجيريا وجنوب إفريقيا ليستا استثنائيتين في هذا الصدد. فالمطالبة بمساءلة النخبة قوي أيضاً عبر عموم القارة، على الرغم من النجاح المحدود لحملات المساءلة العامة في العديد من البلدان. بالنظر إلى هذه الاختلافات، ماذا يعني مفهوم المساءلة حتى للتفاعلات والمطالبات السياسية عبر الأوساط الإفريقية؟ علاوة على ذلك، وبالنظر إلى هذه التوقعات المتنوعة للاعتراف السياسي والاستجابة وممارسات تقديم المطالبات، كيف يتفاوض الأفارقة - المواطنون العاديون والنخب على حد سواء - بشأن هذه التوقعات الخاصة بالمساءلة في سياقات مختلفة؟

 ترسيخ الشفافية

 يوضح المؤلفان أن دراسة النخب من خلال إطار المساءلة تفتح اختبارات محتملة لمسائل السلطة والمداولات العامة والتفاوض في إفريقيا. يشيران إلى أن المساءلة كمفهوم سياسي تحدد مجموعة محددة من المصالح والنوايا والمسؤوليات التي تربط مجموعة من الجهات الفاعلة بغيرها. على الرغم من أن معانيها بعيدة كل البعد عن الجدل، لكن تبقى المساءلة مفهوماً حاسماً في النظرية السياسية وتحليل المؤسسات السياسية.

 ويضيفان: «ليس من المستغرب أن المساءلة، مثل الشفافية، قد تم تعميمها إلى حد كبير من خلال عمل المؤسسات المالية والإنمائية الدولية على مدى العقود الثلاثة الماضية أو نحو ذلك. لقد دافع كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة عن التركيز على سياسات المساءلة، والتي تم تأطيرها إلى حد كبير في خطاب غير مسيس، لكنه راسخ في المشروع المتنازع عليه سياسياً «أنموذج الإدارة العامة الجديدة»، وهو أحد النماذج التي لجأت إليها دول مختلفة منذ عام 1980 في العالم لتطبيق الإصلاح الإداري في القطاع العام، وجعله أكثر حداثة، وذلك نتيجة لتغيرات عدة منها انتشار الديمقراطية والتوجه نحو الخصخصة، والفرضية الأساسية لهذا الأنموذج هي الإدارة الموجهة نحو السوق واستخدام أساليب القطاع الخاص بالعمل، ستؤدي إلى ضبط التكلفة على الحكومة دون أن يكون هناك نتائج سلبية أخرى، وإخلال بأي من الواجبات التي على الحكومة القيام بها. ويرتكز هذا المشروع النيوليبرالي غير المسيس على وجهة النظر القائلة بأن منظمات المجتمع المدني ستضع ضغوطاً كبيرة على أجهزة الدولة البيروقراطية ومنظمات إدارة التنمية الدولية. يسمى هذا النوع من المساءلة «المساءلة الاجتماعية»، ويهدف إلى تحول تكنوقراطي ذو توجه نيوليبرالي للعلاقات بين الدولة والمجتمع، لاسيما فيما يتعلق بالسعي إلى «الحكم الرشيد» في تقديم الخدمات العامة».

 يقول المؤلفان: «نعتقد بأن ثنائية النخب والجماهير ليست مفيدة دائماً في فهم العمليات الاجتماعية. بالأحرى نرى النخب والجماهير (والتشكيلات الاجتماعية العديدة بين هذين القطبين) في حالة من الاتصال. نعتقد بأن توضيح هذا الارتباط ضروري لفهم سياسة المساءلة. فالاستيلاء على السلطة والامتياز والاحتفاظ بهما يجبر النخب على أشكال محددة من التفاعل مع الجماهير. تثير مثل هذه التفاعلات أشكالاً معينة من سياسة المساءلة. في الواقع، يتم إلقاء الانقسام بين الفئتين في بعض الأحيان في أزمة من خلال أشكال التفاعل التي غالباً ما تستند إلى استجابات النخب (الحقيقية أو المتخيلة) للضغوط من الأسفل لإظهار المساءلة الرسمية وغير الرسمية».

 أزمات الهوية والانتماء

 ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء. يعتمد المؤلفان على دراسات حالة من عشرة بلدان من عموم إفريقيا، ويركزان على النخب في إفريقيا، بما في ذلك من المجموعات غير الأصلية في إفريقيا، أي أعضاء الشتات.

وكذلك يتناولان نخب الجماعات غير الأصلية في إفريقيا (البيض الجنوب إفريقيون، والهنود من جنوب إفريقيا، والفرانكو موريشيوسيون، والهنود الموريتانيون)، وتحديداً في علاقاتهم المتأثرة عرقياً في كثير من الأحيان مع بعضهم ومع أعضاء الجماعات الأصلية. يقولان: «في كل من جنوب إفريقيا وموريشيوس، بات «الانتماء» في أزمة، كما يتضح من سياسة «عدم الانتماء» لرجال الأعمال الجنوب إفريقيين المولودين في الهند، في علاقتهم المثيرة للجدل مع الرئيس جاكوب زوما والانتماء المعقد لأفرو-كريول في موريشيوس، الذين على الرغم من أنهم من السكان الأصليين لإفريقيا، لكنهم ليسوا من السكان الأصليين لجزيرة المحيط الهندي».

 تعكس معظم الفصول حقيقة أن النخبة السياسية يهمين عليها الرجال، وهو ما يوصف بأنه «الغياب الطويل» للمرأة عبر التحليل الجنساني في الأدبيات، حتى مع التأكيد على العدد المتزايد للنساء داخل هيئة الممثلين المنتخبين في دول مثل المغرب، يبقى سؤال المساواة بين الجنسين مطروحاً بشدة.

 يدرس المساهمون أيضاً كيفية تفاعل النخب مع الأشكال الواضحة للمساءلة التي لا تقتصر فقط على العلاقات بين النخبة والجماهير وبين النخب السياسية، لكن أيضاً عبر التشكيلات النخبوية المختلفة. يقولان: «منذ نهاية الحرب الباردة وما يسمى بالموجات الثالثة والرابعة من التحول الديمقراطي في إفريقيا، أصبحت المساءلة الديمقراطية وسيلة حاسمة لتقييم دور النخب السياسية في القارة».

 في الجزء الأول، تعاين الدراسات عمليات المساءلة الديمقراطية داخل الدولة والمجتمع من خلال مفاهيم «الجماليات السياسية» و«المشاركة» و«التمثيل» و«الصراع والإجماع» و«الإنتاج والتعطيل».

 يتناول الجزء الثاني كيف يتم تحدي مساءلة النخبة (أو الاستفادة منها) من خلال السياسات العرقية، ويعاين الجزء الثالث المنافسة الإثنية الإقليمية على السلطة والنفوذ والامتياز بين النخب التي تحشد الموارد الثقافية للنضال من أجل الصالح العام في قضيتين نيجيريتين وواحدة كاميرونية، ويبين كيف أن الصراع على السلطة بين النخب السياسية يؤدي في كثير من الأحيان إلى العنف، بما في ذلك الصراعات منخفضة الحدة والحروب المباشرة.

 يركز الجزء الرابع على حالة بعض الدول أثناء الاستعمار وما بعده، ويعاين كيف يمكن نشر العنف كوسيلة إما لضمان المساءلة أو تجاهلها بين النخب السودانية (الجنوبية). يقول المؤلفان هنا: «على الرغم من أن معظم الفصول في هذا الجزء تتعامل مع تشكيلات النخبة المعاصرة، فإن العديد من المساهمين يقدمون سياقاً تاريخياً قصيراً للسياسة المعاصرة، وآخرون يتعاملون مع الاستعمار المتأخر وفترات ما بعد الاستعمار المبكر. بمعنى ما، يمكن نشر المساءلة كعملة ثقافية للسلطة»، ويضيفان: «في النهاية، هذه الرابطة بين الدولة والمجتمع هي قواعد اجتماعية وثقافية، وتدعم مجالات المساءلة التي تتنقل بينها النخب وتتفاوض حول مشاريعها السياسية. وهذا يعني أن ممارسات المساءلة توضح الدور العام للدولة والعلاقات الحميمة الخاصة التي يشكلها القادة والناس العاديون داخل الدولة وحولها. إن التركيز على ممارسات المساءلة من قبل كل من النخب والناس العاديين يخبرنا بأشياء ملموسة عن المعاني الاجتماعية والمادية والخطابية للدولة، والمجتمع والمواطنة والمشاركة والإدماج والإقصاء، والتنمية والحكم الرشيد».

 يمكن القول في الختام إنه في الحالة الإفريقية تعد المساءلة ضرورة تنموية في مجالات عديدة من النشاط البشري، وخاصة في حالة السياسة المنظمة، لاسيما فيما يتعلق بالمناقشات الديمقراطية والحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني