التجديد.. خلق وابتكار

23:52 مساء
قراءة دقيقتين

محمد عبدالله البريكي

كل حالة خاصة في الشعر العربي القديم والحديث مرت بمراحل التجريب، فالشعر لا يمكن أن يتوقف عن التجريب؛ لأنه خلق وابتكار وصهر اللغة مع عناصر الخيال والصورة والشكل الموسيقي، خصوصاً أن الشعر العربي القديم عرف التجريب وهو ما يبيّن أنه جوهر الإبداع الشعري والمعني بتجسيد مشاهد بصرية ولفتات مثيرة وحركة داخل القصيدة مفعمة بالتفاصيل والإضاءة عبر كل منافذ اللغة الشعرية.

أما التجريب في العصر الحديث فلا يعني أن يكون الشاعر منفكاً من تراثه وبيئته الأصلية على الرغم من وجود اختلافات كثيرة في وجهات النظر من هذه الناحية، على أن الثوابت هي الأصل مهما تعددت الآراء وذهب كل في وجهته. وقد عرف الشعر العربي تمرّد اللاحق على السابق في كل عصوره، وهو أيضاً تمرّدٌ منبعه التجريب من دون تعمد إلغاء الآباء، والتنصل من فكرة أنهم المؤسسون، فقد عرفت الحياة الإبداعية الأنماط المتعارف عليها في الشعر، وهو ما يبرهن على أن الشعر العربي دائماً مهيئ لتنوع الأساليب وتعدد الاتجاهات والمذاهب. وفكرة التجريب دائماً تنبع من البحث عن اختراق الإطار التقليدي، وإطلاق العنان لملكة التخيّل والتداخل مع الفنون الأخرى، فعندما قال عمر بن أبي ربيعة:

«سلام عليها ما أحبّت سلامَنا/ فإن كرهَتْهُ فالسلامُ على الأخرى»، فقد خالف المنظومة العاطفية في عصره وغيّر مفاهيمها؛ بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما شبّه نفسه بالقمر، وقد فعلتها نازك الملائكة عندما دعت إلى كتابة الشعر الحر، ورأت أن هذا اللون من الشعر يجب أن يكتب على البحور الخفيفة غير المركّبة.

وقد عرفت القصيدة العربية اختلاف الأشطر في الطول والقصر وتعدد القوافي بشكل سريع، فالوحدات الموسيقية غير معدودة ولا متكاملة كما تستدعي القصيدة العمودية، لكنها في قصيدة التفعيلة تزداد وتنقص بحسب طول الشطر وحالات الوقف. وعلى الرغم من أن قصيدة التفعيلة جددت في بنية الشعر العربي جنباً إلى جنب مع القصيدة العمودية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً في سياق عملية التجريب المستمرة التي يمر بها الشعر العربي: وماذا بعد سؤال الحداثة؟. هذا السؤال الذي يشغل بال الباحثين ويستقطب فكر الكثير من الذين كتبوا الشعر بجميع أنماطه القديمة والحديثة، خصوصاً أن اللغة هي الأداة التي تُمزج الأشكال من خلالها.

ونظراً إلى أن الأشكال الشعرية في حالة تجديد مستمر، فإن الشعر سيظل هو الشعر بجوهره الأصيل، حيث إن اللاحق لا ينفي السابق، ولا يمكن التأسيس للمستقبل إلا من خلال الموروث الشعري العربي، وأن مستقبله لن يكون مشوّهاً بالضرورة، أو يؤدي إلى الفوضى في عالم الشعر الذي تمتد جذوره الراسخة مهما تعددت المذاهب والأساليب؛ لأن شعرنا العربي غير جامد؛ إذ دائماً يتحرر من القيود في إطار الإبداع المنصف الذي يتسق مع الذائقة ويلتحم بها في نهاية المطاف.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"