«طالبان» بين عصرين

00:37 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

بحكومة انتقالية أو من دونها أصبحت حركة طالبان الحاكم الحقيقي لأفغانستان بحكم الأمر الواقع، لقد كان اقتراح الحكومة المؤقتة التي تمهد لانتقال السلطة حلاً جيداً لكل الأطراف بما في ذلك الأطراف الخارجية الأمريكية والأوروبية التي تشعر بالقلق من عودة الحركة إلى مركز السلطة مع سجل ممارستها السابقة الغارقة في الرجعية والعنف والمساندة لجماعات التطرف والإرهاب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هذه النسخة الجديدة من «طالبان» هي نفسها النسخة القديمة التي اجتاحت كابول في عام 1996، وطردت جماعات المجاهدين الأفغان المتناحرة على السلطة حينها؟

وهناك سؤال آخر هو: هل تحظى الحركة بأي اعتراف دولي بشرعيتها في الحكم وهي التي قال عنها الرئيس الأفغاني الهارب أشرف غني إنها فازت بحكم السيف والنار؟ لا شك أن مياهاً كثيرة جرت منذ ذلك التاريخ الذي ظهرت فيه «طالبان» إلى الوجود في صورة المنقذ لتنهي مسلسل العنف وسفك الدماء الذي قاده زعماء جماعات الجهاد الأفغاني المتناحرة على السلطة. لقد تعلقت قلوب الأفغان حينها بهذه الحركة الجديدة المؤلفة من طلاب المدارس الدينية والساعية إلى وقف حمامات الدم وإرساء الأمن والاستقرار وتحقيق العدالة في البلد المنكوب.

لكن بعد فترة قليلة من نجاحها في القضاء على كل أنواع المعارضات الداخلية، تحولت الحركة الحاكمة حينها إلى وحش مخيف ينشر الرعب بين السكان، حيث استخدمت القوة الغاشمة لفرض رؤية متطرفة للشريعة الإسلامية ومنعت تعليم النساء وخروجهن من دون محرم ونفذت عقوبات الجلد والرجم. كما حولت أفغانستان إلى ملجأ للجماعات المتطرفة وفي مقدمتها جماعة تنظيم القاعدة التي نفذت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهي الهجمات التي قادت إلى طردها من السلطة في أعقاب الغزو العسكري الأمريكي.

كانت حكومة «طالبان» قد تحولت إلى نظام حكم معزول ومنبوذ من المجتمع الدولي الذي سلط أضواءه الباهرة على فظائعها وانتهاكاتها محلياً وتهديداتها للأمن والاستقرار الدوليين عبر إيواء الجماعات الإرهابية. واليوم تعود الحركة إلى مركز السلطة في كابول بعد عقدين من الزمن، ولكن في ظروف مختلفة.. ربما يكون الاسم هو نفسه، غير أن الإيديولوجية قد تعرضت لتجريف كبير حتمته عوامل عدة.

لقد انخرطت حركة طالبان في مفاوضات سلام ماراثونية مع الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة والغرب، وقدمت خلال جولات التفاوض، تعهدات تتعلق بقضايا تقاسم السلطة والمشاركة في الحكم والانتخابات والدستور الذي يضمن حقوق المرأة والأقليات، وكان ذلك شيئاً جديداً يستحيل قبوله في عقلية الزعامات القديمة للحركة وتطوراً هائلاً في طرق تفكير الجيل الجديد للقادة ورؤيتهم للعالم وعلاقاتهم الدولية المتشابكة والمعقدة.

تطورات الساعات الأخيرة بكل إثارتها، ليست شيئاً جديداً ولا نادراً في بلد مثل أفغانستان، غير أن الوضع الجديد يضع حركة طالبان، العائدة إلى كابول، أمام مسؤوليات وتعهدات جسيمة ليس من الممكن التملص منها أو التلاعب بها أو تفادي الالتزام بها من دون أن تخاطر مجدداً بالتحول إلى طريدة للمجتمع الدولي والإقليمي بعد أن كانت هي الصياد.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"