«النهضة» بعيدة عن الشعب

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

أحداث تونس الأخيرة، من اتخاذ الرئيس قيس سعيّد قراراً بإقالة رئيس الوزراء والعديد من المسؤولين، والإمساك بالمفاصل الرئيسية للدولة، وتجميد حركة النهضة. هذا الأمر حدا براشد الغنوشي إلى اتهام الرئيس سعيّد بالقيام ب «انقلاب» على الثورة والدستور ثم عاد ورضخ للأمر بعدما رأى التأييد الشعبي للرئيس. بالطبع، للرئيس أسبابه التي أجبرته على اتخاذ هكذا قرار. ثمّ إنّه من المعروف أنّ الغنوشي شارك أكثر من مرة في اجتماعات التنظيم العالمي للإخوان، بخاصّة بعد الثورة على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي. لذا، فإن العلاقة بين «النهضة» والتنظيم العالمي ل«الإخوان» تستند إلى أسس وعلاقات تنظيمية وفكرية متينة، ووفقاً لمصادر عديدة، فإن العلاقة تعود إلى سنوات التأسيس الأولى حين كانت تسمى «الجماعة الإسلامية»، ومع تأسيس التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين رسمياً عام 1982 على يد المرشد الخامس للجماعة مصطفى مشهور، انخرطت حركة الاتجاه الإسلامي (الاسم القديم لحزب النهضة) عضواً ناشطاً في التنظيم، يمثلها فيه «أميرها» راشد الغنوشي أو نائبه.

من المعروف أيضاً أنّ الغنوشي اضطلع بدور محوري في أوروبا والمغرب العربي لصالح التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، الذي بدأ بشكل مبكّر منذ بدايات نشأة الحركة الإسلامية في تونس. وفي شهادة قدّمها عبد الكريم مطيع الحمداوي مؤسس الحركة الإسلامية في المغرب، ونشرت في حينه، اتّهم مطيع، الغنوشي «بالعمل على اختراق الحركة الإسلامية في المغرب بتكليف من جماعة الإخوان المسلمين منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، كما التجسس لفائدة التنظيم العالمي للجماعة». بالتالي، فإنّ حركة النهضة ليست تونسيّة الاتجاه في القرارات التي تتخذها، بقدر ما هي تنفيذ حرفي لإرادة وقرارات جماعة «الإخوان». إنّ هذا الأمر يشكّل أولى السلبيات على «النهضة». ومثلما هو واضح للعيان، فإن جماعة «الإخوان» بكلّ فروعها تعتمد سياسة التمكين والوصولية والاندساس في أجهزة الدولة ومكوّنات المجتمع المدني والجامعات بطرق انتهازية، وقد كان نفس الأسلوب متّبعاً تقريباً في الجامعات المصرية والتونسية وفي العديد من أجهزة الدولة وكافة الإدارات المهمة التي يمكنها النفاذ إليها.

السلبية الأخرى على «النهضة»، هي أنّها لم تستطع التفاعل مع المشهد السياسي الجديد رغم تبنّيها استراتيجية دائمة (كما تدّعي) من الحوار والتفاوض، من أجل الخروج من الأزمات السياسية، وضمان الانتقال الديمقراطي للسلطة، وشرط نجاح هذه الاستراتيجية هو رغبة الأطراف السياسية الرئيسية في عقد مثل هذه التفاهمات والتوافقات. فرغبة طرف واحد في عقد مثل هذه التفاهمات غير كافية، بل يجب أن تكون مصحوبة برغبات مماثلة من الأطراف الأخرى، والقدرة على الاتفاق على برنامج سياسي وتشكيل جبهة وطنية للخروج من الأزمات السياسية التي كانت سمة رئيسية في المشهد التونسي بعد الثورة، وهي سمة غابت عن كثير من الأحزاب التابعة ل«الإخوان» في العديد من البلدان العربية التي تتواجد فيها، فحقيقة ممارساتها أثبتت أنّها تتّبع مبدأ التفرّد في السلطة، وممارسة سياسة إقصائية لكل الأحزاب والجماعات السياسية الأخرى، وهذا ما مارسته حركة النهضة وغيرها من الأحزاب «الإخوانية» الأخرى في دولها. السلبية الثالثة التي مارستها «النهضة» مرتبطة بمشروعها السياسي نفسه، والأولويات التي وضعتها للمرحلة الانتقالية. هذا الخطأ هو فصل المطالب السياسية عن المطالب الاقتصادية، كونها تضمن الانتقال للسلطة الديمقراطية السليمة. وهي مسألة في غاية الأهمية لمواطني البلد المعني، شريطة تقديم المزايا والخدمات التي يعيشون فقدانها يومياً. «النهضة» جعلت هدفها الأساسي ضمان حدوث انتقال «ديمقراطي» للسلطة، وهو مطلب سياسي مهم بامتياز، لكنها تناست في الوقت نفسه، أن نتيجة هذا الانتقال الديمقراطي يجب ألا تقتصر على ضمان نزاهة الانتخابات، بل يجب أن تشمل أيضاً ضمان التحسن في حياة المواطنين التونسيين. نهاية القول: إن الجماهير التونسية في واد وحركة النهضة في وادٍ آخر.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"