سجناء الماضي

22:16 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ستيفن فريدمان
ستيفن فريدمان أستاذ باحث بقسم السياسة في كلية العلوم الإنسانية بجامعة جوهانسبرج في جنوب إفريقيا.

عاشت دولة جنوب إفريقيا فترة مريرة من الفصل العنصري خلال الاستعمار، لكن رغم انتهاء تلك الحقبة المقيتة في تاريخها، لا تزال هناك الكثير من الممارسات اليومية التي تشير إلى أن الديمقراطية فيها تعاني خللاً كبيراً. يعاين هذا الكتاب الحكم الديمقراطي في هذه البلاد، ويسط الضوء على الإرث الذي تركته الأقلية البيضاء.

غالباً ما يُنظر إلى الديمقراطية في جنوب إفريقيا على أنها قصة بدايات مشرقة ضلت طريقها، وهو نمط شائع في إفريقيا على ما يبدو. على الرغم من الآراء التي تشير إلى أن التسوية التفاوضية لعام 1994 أنهت الهيمنة العرقية وأوجدت الأساس لديمقراطية مزدهرة، لكن هذا الكتاب يرى أن السياسيين خانوا الوعد ببناء مجتمع جديد.

يحلل هذا الكتاب المسار الذي سارت عليه جنوب إفريقيا والتطورات التي حدثت فيها، ويهدف إلى المساهمة في النقاش حول كيفية فهم ماضي جنوب إفريقيا وحاضرها ومستقبلها المحتمل، وإلقاء الضوء على مكانة الدولة وإلى أين يمكن أن تتجه. كما يهدف إلى تشجيع فهم أكثر دقة لسبب مواجهة جنوب إفريقيا للصعوبات الاجتماعية والاقتصادية، وما يمكن فعله للتغلب عليها.

يقول الكاتب ستيفن فريدمان إن الصعوبات التي تحيط بالديمقراطية في جنوب إفريقيا هي من موروثات الماضي، وليست نتاج حقبة ما بعد 1994، وذلك بناءً على أعمال المؤرخ الاقتصادي دوجلاس نورث والباحث السياسي الأوغندي محمود ممداني.

يرى فريدمان أن هذا يشوّه طبيعة جنوب إفريقيا المعاصرة، ويشير إلى أن التسوية التي بشرت بحكم الأغلبية أبقت على السمات الأساسية لاقتصاد ومجتمع الفصل العنصري، قائلاً: «لا يزال الاقتصاد مستمراً في استبعاد الملايين من فوائده، بينما أثبتت التسلسلات الهرمية العرقية أنها عنيدة، فالفصل العنصري فقد مصداقيته، لكن قيم حقبة ما قبل الاستعمار قبل عام 1948، أي فترة الاستعمار البريطاني، لا تزال مهيمنة. رغم أن الديمقراطية في جنوب إفريقيا تدعم الانتخابات الحرة والحريات المدنية وسيادة القانون، لكنها تستمر أيضاً في اتباع الأنماط السابقة من الإقصاء والهيمنة».

ربع قرن من الديمقراطية

يجد فريدمان أن «الاعتماد على المسار» المحدد ليس، كما يزعم كثيراً، نتيجة للتسويات الدستورية في عام 1994 والتي تركت الهيمنة كما هي، ويقول: «كانت هذه الصفقة ضعيفة لأنها لم تجلب الكثير من التنازلات، بل القليل جداً. لقد وسعت التسويات من إطار المواطنة السياسية، لكن لم تكن هناك تسويات مماثلة بشأن التغيير الاقتصادي والثقافي». كما أن فريدمان، في اعتماده على أعمال عالم الاجتماع الراديكالي هارولد وولب، يظهر أن المفاوضات حول اقتصاد ومجتمع جديدين فقط هي التي يمكن أن تحرر مواطني جنوب أفريقيا من سجن الماضي الكئيب.

ويشير إلى أنه بعد ربع قرن من الديمقراطية، يمكن القول بأنها قد غيرت كل شيء أو لا شيء، معلقاً: «كلا الرأيين صحيح وكلاهما خاطئ في الوقت عينه. ربما لايبدو هذا القول لطيفاً للبعض، لكنه يعكس حقيقة مهمة يتجاهلها النقاش السياسي العام إلى حد كبير؛ إذ يمكن للمجتمع أن يتغير ويظل على حاله أيضاً».

يجادل الكاتب بأن هذا بالضبط ما حدث في جنوب إفريقيا منذ أن تم العمل بالديمقراطية رسمياً في عام 1994، ويهدف إلى إظهار أنه على الرغم من أن الكثير قد تغير، إلا أن المجتمع لا يزال يعمل بطرق تشترك في سمات قوية مع الحقائق قبل أن يسمح لجميع البالغين بالتصويت، وبإمكان جميع المواطنين التمتع، على الأقل من حيث المبدأ، بالحريات الأساسية للمواطنة الديمقراطية.

ويضيف: «ينبغي أن نشير إلى أنه في ظل نظام الفصل العنصري، لم يكن بوسع معظم سكان جنوب إفريقيا العيش أو الانتقال إلى المكان الذي يحلو لهم أو أن معظم الناس حرموا، بسبب عرقهم، من فرصة الدراسة في المكان الذي يرغبون فيه أو شغل الوظائف التي تناسب مواهبهم وميولهم. تم تخفيف بعض هذه القيود عندما حاولت دولة الفصل العنصري الإصلاح من أجل البقاء، ولكن لم يتم ذلك على كافة الصعد. عندما بدأت الديمقراطية الرسمية في عام 1994، كان السود في جنوب إفريقيا لا يزالون يعانون قيوداً صارمة».

سياسات العمل الإيجابي

يرى الكاتب أنه «لا يوجد جوهر للادعاء بأن السنوات الخمس والعشرين الأولى من الديمقراطية لم تجلب أي تغييرات اجتماعية واقتصادية. فقد شهدت هذه الفترة نمواً قوياً في طبقة رجال الأعمال والمهنيين السود والتي كانت في بداية ظهورها فقط عندما بزغ فجر الديمقراطية. هذا النمو هو نتيجة لإنهاء القيود العرقية وسياسات العمل الإيجابي التي تم إدخالها منذ عام 1994. وقد عززت البرامج المنفذة منذ ظهور الديمقراطية وصول الأشخاص الذين يعيشون في فقر إلى الأصول. على عكس الادعاءات القائلة بأن الحكومة الديمقراطية لم تقدم شيئاً لمعظم مواطني جنوب إفريقيا، فقد نما الوصول إلى الكهرباء والمياه والسلع العامة الأخرى بشكل ملحوظ. كان أهم مكسب للجميع بالنسبة للأشخاص المحرومين من الطبقة الوسطى هو تقديم أكثر من 17.7 مليون منحة اجتماعية لهم. كما يتلقى أكثر من أربعة ملايين شخص العلاج المضاد لفيروس نقص المناعة البشرية استجابة لحملة المواطنين للحصول على علاج مناسب، ولم يكن نجاحها ممكناً لولا الحقوق التي توفرها الديمقراطية والفرص التي تخلقها للضغط على السياسيين للاستجابة للمطالب العامة».

ويوضح أكثر بالقول: «لكن الكثير بقي على حاله. لا يزال الفقر وعدم المساواة مستمرين، وهو نتاج التقسيم المستمر للسكان، كما لا توجد مساواة بين شاغلي المناصب البيض قبل عام 1994 والداخلين السود الجدد أي الطبقة الوسطى السوداء التي عززت الديمقراطية نموها. يعتبر المهنيون ورجال الأعمال السود من بين أكثر مواطني جنوب إفريقيا غضباً، لأنهم يتمتعون بالمؤهلات والفرص التي حُرم منها آباؤهم وأجدادهم، لكنهم يواجهون العديد من المواقف العرقية الإشكالية نفسها التي عانتها الأجيال السابقة. لا تزال التفضيلات الثقافية للأقلية مهيمنة. اليوم، يتمرّد الطلاب السود ضد هذا، مطالبين بإنهاء الاستعمار من التعليم العالي».

تقدم منقوص

أسفرت مفاوضات أوائل التسعينات عن تسوية حلت مشكلات الماضي وأرست الأساس لديمقراطية شاملة. لكن السياسيين الفاسدين أساؤوا استخدام الديمقراطية وبددوا الوعد ببداياتها. لذا فإن صحة المجتمع تقتضي منه العودة إلى الفترة التي سبقت قيام هذه الجهات الفاسدة بأضرارها من وجهة نظر المؤلف.

ويقول: «لقد ألحقت إدارة زوما ضرراً كبيراً بالبلاد. لكن الفساد لم يعطل الاقتصاد والمجتمع اللذين يعملان من أجل الجميع. بدلاً من ذلك، كان الفساد أحد الأعراض الناشئة عن حقيقة أن المستفيدين عددهم قليل جداً؛ فعلى سبيل المثال، كان معدل البطالة أعلى من 20 في المئة طوال الفترة الديمقراطية»، ويؤكد المؤلف: «بغضّ النظر عمن كان رئيس الحكومة. يعد الفساد أحد أعراض مشكلة أن المجتمع لا يزال محاصراً بشدة في ماضيه. لا يكمن العلاج في العودة إلى الماضي بل في الهروب منه. لا يتطلب الأمر فقط التراجع عن الضرر الناجم عن الفساد، بل يتطلب أيضاً معالجة تبعية المسار التي أوجدته».

يقول المؤلف: «كيف نفسر هذا التناقض الظاهري بين التغيير والاستمرارية؟ ربما يكون النهج الأكثر شيوعاً بين أولئك الذين يتفقون على أن المجتمع قد تغير منذ العام 1994 هو رؤية الانتقال من حكم الأقلية العرقية على أنه رحلة غير مكتملة. صحيح أن المجتمع أحرز تقدماً، ولكن لا يزال هناك الحاجة إلى الكثير من العمل».

ويرى أنه: «لم يتم اختيار هذا المسار، كما يقال لنا أحياناً، لأن القيادة السياسية التي تفاوضت على التسوية التي أنتجت الديمقراطية كانت أسيرة للمؤسسة البيضاء. تم اختيار هذا المسار لأن النخبة السياسية الجديدة اتفقت مع أصحاب السلطة الاقتصادية والاجتماعية القدامى على نقطة حاسمة واحدة وهي: إن الهدف من الديمقراطية الجديدة هو ضمان أن ما تمتع به البيض في ظل نظام الفصل العنصري سيكون متاحاً للجميع. ولما كان الأمر كذلك، فلا داعي لتغيير الطريقة التي تم بها إنجاز الأمور على مدى عقود في الاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية؛ كل ما هو مطلوب هو التأكد من أن كل شخص يمكنه القيام بها. هذا هو السبب الرئيسي وراء بقاء الأنماط الأساسية لما قبل 1994. ولم ترَ النخبة أي حاجة لتغييرها».

ويضيف: «لا يحتاج الأمر إلى توضيح سبب رغبة النخبة القديمة في الاحتفاظ بما اعتادت عليه، بسبب مصالحها الواضحة في حماية أنماط الماضي»، مشيراً إلى أنه «بدلاً من الإصرار على أن العادات الاقتصادية والاجتماعية للأقلية كانت تبذيراً وتشكل عائقاً أمام التقدم، أصرت النخبة الحاكمة الجديدة على أن أسلوب حياة الأقلية يجب أن يكون متاحاً للجميع. وبما أنه من المستحيل أن نمد الجميع بما تتمتع به الأقلية لأنها استخدمت القوة لحرمان الغالبية العظمى من الفرص، فإن هذا يعني حتماً أن البعض سيستمتع بثمار هذا الخيار ولكن معظمهم لن يستمتع بذلك». 

ويرى أن هذا «قد يفسر سبب عدم معالجة عملية التفاوض التي أنهت الفصل العنصري والقضايا المرتبطة به. وهكذا تظل الأنماط الأساسية دون تغيير. كان الإجماع غير المعلن بين النخب هو ترك الأمور كما هي إلى حد كبير، ليس لأن النخبة السياسية الجديدة تخشى رد فعل عنيف إذا سعت إلى تغييرها، ولكن لأنها أرادت تركها كما هي»، ويضيف: «في حين أن هذه العملية لها سمات خاصة بجنوب إفريقيا، إلا أن أنماطها الواسعة ليست فريدة من نوعها في هذا البلد».

كُتب جزء كبير من هذا الكتاب قبل وصول جائحة كورونا إلى جنوب إفريقيا، ويعلق الكاتب على ذلك: «إن تحليل كيف يمكن للفيروس أن يغير المجتمع هو خارج نطاقه. ولكن نظراً لأن الكتاب يقترح طريقة للخروج من الحقائق التي جعلت من الصعب للغاية احتواء فيروس كورونا، وتضخيم الضرر الذي تسبب فيه، فقد جعل الوباء الحجة المقدمة هنا حاسمة للتحديات التي تواجه جنوب إفريقيا الآن».

في الختام، يمكننا القول إن جنوب إفريقيا، والكثير من الدول الإفريقية التي عانت الاستعمار والعنصرية، لا يمكنها أن تتحرر من قيود العنصرية وبقاياها إلا بإرادة نخبوية وشعبية يمكن لها أن تحسم رأيها وموقفها في الكثير من القضايا، وذلك عبر اتباع نهج يؤمن بالإنسان أولاً وأخيراً، دون إعطاء الأفضلية للون أو العرق.

معلومات عن الكتاب

الكتاب صادر عن مطبعة جامعة ويتس (1 يونيو 2021) باللغة الإنجليزية ضمن 232 صفحة. وينقسم إلى ثمانية فصول هي: 1) الماضي معنا كثيراً: الديمقراطية المعتمدة على المسار في جنوب إفريقيا. 2) مسار الاعتماد: ماذا يعني وكيف يتعامل مع جنوب إفريقيا؟ 3) جذور المحاباة: تبعية المسار واستيلاء الدولة والفساد. 4) المجتمع المتشعب: محمود ممداني، السلطة الريفية واستيلاء الدولة. 5) دورة الأزمة والتسوية: الاعتماد على المسار، والعرق، وتضارب السياسات. 6) فقدان الهدف: مفاوضات 1993، الدستور والتغيير. 7) قوة التفاوض: بصيرة هارولد وولب. 8) نحو المستقبل: طريق الخروج من مسار الاعتماد.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
دانيال إس ماركي
2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز
1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين