أفغانستان.. أفعال تنقض الأقوال

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

في السياسة، لا تعبر الأقوال عن الحقائق غالباً، بل تناقضها أحياناً، فالخطاب السياسي مهمته إقناع الرأي العام سواء كان صادقاً أو كاذباً، وفِي بعض الدول كلما كانت لدى السياسي قدرات على ترويج آرائه وإقناع الناس بها كلما تأهّل للمناصب الأعلى، وقد تكون مواقفه هي التي تفتح أمامه الأبواب للوصول إلى القمة التي لا ينازعه فيها أحد، وما حدث في أفغانستان منذ بدء انسحاب القوات الأمريكية وقوات الناتو أبلغ نموذج للتعبير عن أن الأقوال شيء والأفعال شيء آخر. 

ذهبت الولايات المتحدة إلى أفغانستان عام 2001 وهدفها القضاء على «طالبان» وشقيقتها «القاعدة»، وخرجت منها مؤخراً بعد اتفاق مع «طالبان» منحتها فيه كل الدعم وأوكلتها بمهمة القضاء على الإرهاب حسب ما قاله الرئيس ترامب بعد توقيع الاتفاق في فبراير من العام الماضي، ولا نعرف كيف يصبح من كان بالأمس مهدداً للسلام العالمي، مناهضاً اليوم للإرهاب ومكلفاً بالقضاء عليه وضامناً لأمن وأمان الدبلوماسيين وغيرهم من الأجانب. 

عند إعلان الانسحاب، قالت الولايات المتحدة إنها درّبت وسلّحت وأهّلت الجيش الأفغاني، وأنه أصبح جاهزاً لتحمل مسؤولية حماية بلاده، وفوجئنا به يجري مذعوراً أمام مقاتلي «طالبان» تاركاً لهم أرضه وعتاده، وكأنه جيش من ورق، تطير عناصره في الهواء لو هبت عليه عاصفة خفيفة.

وبعد بدء الانسحاب وما صاحبه من تساقط المدن الكبرى أمام الزحف الطالباني قالت المخابرات الأمريكية إن كابول قد تسقط خلال 3 أشهر، وقد كانت الصاعقة الكبرى أن سقوطها لم يستغرق ساعات.

ولا يدري أحد كيف للجيش الذي تدرب على أيدي أقوى جيش في العالم وعلى أحدث الأسلحة القادرة، أن يكون هشاً بهذا الشكل.

 ما حدث يجعل أي متابع يتخيل أن «طالبان» تمتلك قوات لا حصر لها وأنها أضعاف أضعاف الجيش الأفغاني، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً، حيث لا يتجاوز عدد مقاتلي طالبان 80 ألفاً، في حين أن عدد جنود الجيش يبلغ 350 ألفاً، ناهيك عن الفروق الكبيرة في مستوى التسليح، من الخفيف البدائي إلى الأحدث والأكثر تطوراً، وقبل انهيار الجيش والدولة أصبح السلاح المتطور في يد «طالبان»، ولا ندري ما الذي ستفعله به بعد أن ركّعت «الأقوى» بالسلاح الخفيف وزلزلت أرض أفغانستان وحكومات دول كبرى.

قادة «طالبان» وعدوا بتسوية سياسية مع الحكومة ترضي جميع الأعراق، ووعدوا بعدم اقتحام العاصمة كابول والمدن الكبرى، وقبل أن يكمل الجيش الأمريكي وقوات الناتو انسحابهم، نقضت الجماعة الوعد، واكتفت بلغة السلاح لتتساقط أمام جحافلها المدن الكبرى كما تتساقط أوراق الخريف من دون قتال، وعندما وصلت إلى أبواب العاصمة فتح لها بعض السياسيين والعسكريين الأبواب من دون إطلاق رصاصة واحدة، وكأنه لم يكن ينقصهم سوى التهليل ترحيباً.

مسؤولون أمريكيون وجهوا اللوم للجيش الأفغاني واتهموه بعدم القتال لصد «طالبان»، في حين ان الجماعة أعلنت أن أمريكا كانت على علم بكل شيء، وكأن السيناريو الذي تابعناه خلال الأسابيع الماضية كان إعداده وكتابة تفاصيل مشاهده مشتركاً، لنرى فيلماً أو مسرحية مأساوية، كان الإخراج فيها أيضاً مشتركاً. 

انتشر قادة «طالبان» على شاشات تلفزيونية حول العالم محاولين الإيحاء بأنهم مرحَب بهم شعبياً، ليأتي الرد الأبلغ من مأساة تناقلتها وسائل الإعلام لأفغان يتدافعون محاولين تسلق طائرة عسكرية أمريكية، متوهمين أن الأمريكان سيمدون لهم يد العون للهروب من الجحيم، لكنه كان هروباً من الخوف إلى الموت، لإدراكهم أن الأسوأ لم يأت بعد.

كلام الساسة الاستهلاكي تفضحه أحياناً أفعالهم وقراراتهم، وتكشف مستوره دائماً أفعال الزمن، وما حدث في أفغانستان كشف المستور السياسي على مدار 20 عاماً.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"