عادي

الفاقد التعليمي.. ضريبة «كورونا» يدفعها الطلاب

الإمارات هيأت السبل كافة لإنجاح التعلم عن بُعد
00:02 صباحا
قراءة 7 دقائق

تحقيق: جيهان شعيب
خسائر عدة ألحقها وباء كورونا بدول العالم كافة، ما بين تأثر عجلة العمل في معظم القطاعات دون استثناء، وما نجم عنها من تراجع مدخولها، وبين العواقب الصحية الوخيمة التي عمت مخاوفها على الأجواء؛ بل ولحقت بغير الملتزمين بالإجراءات والتدابير الوقائية والاحترازية، فيما كان هذا واقع حال أغلب البلدان، لكن إمارات الخير كانت لها الريادة في القرارات التي اتخذتها، لمواجهة الجائحة عبر الحلول التي ذهبت إليها في ذلك.

وعلى الرغم من أن تأثر عجلة الاقتصاد تسيّدت معظم الأحاديث، للتراجع الذي شهدته بفعل الفيروس، فإن الفاقد التعليمي يعد الانعكاس السلبي الأكثر ملاحظة، ومشاهدة، وتأسفاً عليه، ويعد الضريبة التي فرضها الوباء على الطلاب، جرّاء انقطاعهم عن الدوام المدرسي اليومي في مدارسهم، والتحول للتعلم عن بُعد، حفاظاً عليهم من الإصابة بالفيروس الذي لا يزال سارياً، وإن كانت الإجراءات المتخذة من الدولة، حجمت إلى حد كبير من انتشاره، إلا أن هناك هوة واسعة، سقطت فيها مستوياتهم الدراسية، وتراجعت بسببها إلى حد كبير.

التعلم الإلكتروني دون متابعة مباشرة للطلاب من المعلمين، وحضور مدرسي يتيح الوقوف الواضح، والفوري على مدى استيعابهم، وتحصيلهم الدروس من عدمه، مع التراخي الذي حل بمعظمهم جرّاء الجلوس في البيوت، والكسل الذي أصابهم، لغياب التفاعل اليومي في الفصول الدراسية، والبيئة المدرسية عامة، وغيره، هبط بمستوى بعض الطلبة التعليمي، بما أضحوا معه مطالبين بسداد فاتورة الانقطاع الطارئ، عن الدوام المدرسي، بفعل أزمة الوباء، لمدة قاربت نحو العامين.

وإن كان عدد الطلاب الذين انقطعوا عن التعليم في المدارس والجامعات في العالم بشكل عام، بسبب الجائحة بلغ 850 مليون طالب وطالبة، بحسب التقرير الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو»، فمع عودة الطلاب مجدداً إلى المدارس، كيف يمكن أن نصعد بمستوياتهم الدراسية والتحصيلية لما كانت عليه قبيل نزول الوباء الأعمى؟

أسباب وعلاج

1

بداية، فند الدكتور عيسى صالح الحمادي مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة، مفهوم الفاقد التعليمي وأسبابه وعلاجه في قوله: يواجه التعليم في الوقت الراهن، وفي إطار المتغيرات التربوية، والتعليمية، عدة قضايا ومشكلات، لها تأثير متباين على التعليم، وتتسع فجوة تلك المشكلات، مع اتساع ما تواجهه منها تلك الدول في المجالات الأخرى، سواء الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الصحية، أو الأزمات، وبالأخص ويلات الحروب والصراعات وغيرها، فيما من أهم تلك القضايا، والمشكلات، التي بدأت تتسع خاصةً في إطار الأزمات العالمية كجائحة كورونا (كوفيد-19) هي مشكلة الفاقد التعليمي، أو ما يُسمى بالهدر التعليمي.

وعلى الرغم من تعدد أسباب الفاقد التعليمي، وأشكاله المتنوعة، التي تؤثر بشكل مباشر في جودة النظم التعليمية، فإنه يتوجب على المسؤولين عن التخطيط التربوي، والسياسات التعليمية، الاستفادة من الحلول، وأبرز الممارسات، والتجارب العالمية، في تطوير كفاءة وفاعلية النظام التعليمي، وتنمية الوعي بأهمية التعليم لدى أفراد المجتمع، ومعالجة التسرب من التعليم، وتشجيع الطلبة على التعليم، وتقديم الحوافز لهم.

تحديات وصعوبات

1

أما محمد راشد رشود الحمودي رئيس مجلس أولياء أمور مدينة دبا الحصن التابع لمجلس الشارقة للتعليم، فيشير إلى أن المسيرة التعليمية في الدولة تخلصت منذ سنوات طويلة من المشكلات التي تواجه المجتمعات في مراحل التنمية، كمشكلة التسرب الدراسي التي انتهت تماماً، في ظل ما شهدته الإمارات من تطور في الميدان التربوي، بحكمة قيادتها الرشيدة، وحرصها على دعم مسيرة التعليم، والارتقاء بالمستوى العلمي للمواطنين، لافتاً إلى الجهود الحثيثة للقيادة الحكيمة، ولمؤسسات الدولة التعليمية في تأمين الاستمرارية للساحة التعليمية، من خلال توفير وسائل التعليم الافتراضي، خلال جائحة كورونا.

وقال: لقد تحمل الكادر التعليمي من معلمين، ومعلمات، وإدارات تعليمية الجهد الأكبر، في استمرارية التعليم، ولابد أن نشير للجهد الذي تحمله أولياء أمور، خاصة الأمهات في متابعة أبنائهن، علاوة على تعاونهن مع الإدارات التعليمية في استمرارية التعليم، وكذلك دور هيئات الموارد البشرية الاتحادية، والمحلية، بالتعاون في إصدار قرارات للأمهات، للعمل عن بُعد، وخاصة اللواتي يُدرسن أبنائهن في المراحل التأسيسية الأولى، ورياض الأطفال، لمتابعة تعليمهم والإشراف عليهم.

ومع هذا الحال المستجد، اكتشفنا أن التعليم عن بُعد، وعلى الرغم من أهمية استمراريته، فإنه أوجد تحديات، وصعوبات كثيرة منها عدم استيعاب الطلاب للحصص، وخصوصاً مع الجلوس فترات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية؛ حيث ظهر التعليم منقوصاً، أو بما يُسمى الفاقد التعليمي، لأن الدارسين افتقدوا إلى التفاعل المباشر مع المعلمين، بسبب عدم رؤية الطالب لمعلمه أو معلمته، إلى جانب افتقاد الدارسين للمهارات، التي كانت توجد في التعليم المباشر، والنتيجة قد تصل إلى مستوى تحصيلي ضعيف.

لذا ندعو وزارة التربية التعليم إلى تبني خطة استراتيجية للتعليم الإلكتروني، وتوفير منصات رقمية، ومناهج إلكترونية تفاعلية أكثر وضوحاً.

تهيئة الطلبة

1

وتضامنت شريفه موسى «تربوية» وعضوة المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة في رأيها مع رشود في أن تجربة الدولة في التعليم عن بُعد، تعد رائدة على مستوى العالم، وتعد من أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال، وأن النجاح يأتي نتيجة لجهود دامت أكثر من عشر سنوات في إرساء أساسيات التعلم الذكي، ضمن برنامج صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله للتعلم الذكي؛ حيث عملت الدولة على تهيئة السبل كافة لإنجاح التعلم عن بُعد، من حيث تهيئة البنية التحية، وتوفير المنصات التعليمية، وتدريب المعلمين، وتطوير المناهج إلى تفاعلية، وتبني التعلم الهجين.

وتوقفت بالقول على أنه مع ما سبق، فهناك فاقد تعليمي لا بد من الانتباه له، ومحاولة تعويضه، من خلال التركيز في المرحلة المقبلة على تنمية وتطوير مهارات، وقدرات الطلبة، وتشجيع التعلم الذاتي، وتبني استراتيجيات جديدة في التعليم، مثل التعلم التكيفي، وإعادة تعريف أدوار المعلم، إضافة إلى التركيز على تنمية المهارات الحياتية اللازمة للمستقبل، ومع عودة الطلبة للمدارس، لابد من تبني مبادرات، لإعادة تهيئة الطلبة للانخراط في الحياة المدرسية، وزيادة دافعيتهم للتعلم، ولابد من تكاتف الجهود كافة سواء المؤسسات التعليمية، وأولياء الأمور، والمؤسسات المجتمعية في هذا الصدد، مع عدم التركيز على الكم بمعنى كمية المحتوى التعليمي المعتمد؛ بل التركيز على نوعية التعليم المقدم.

اتساع الفاقد

1

وبحسب المستشار الأكاديمي الدكتور عبد الله بن حمودة: انتهجت العديد من دول العالم التعليم عن بُعد، بسبب التدابير الاحترازية لمنع تفشي فيروس كورونا (كوفيد 19)، وكأسلوب بديل للتعليم التقليدي؛ بهدف الحد من انتشار الفيروس في المقام الأول، ومواكبة للتقدم التكنولوجي الحديث، الذي كان يدعو له العديد من المهتمين، بالتغيرات المستقبلية الجذرية.

والإمارات من تلك الدول التي انتهجت هذا النوع من التعليم، واستمرت فيها عملية التعليم (عن بُعد)، دون انقطاع منذ حلول الجائحة، ومع تطبيق التعليم عن بُعد بأفضل المعايير العالمية، جرى العمل على التحوّل الرقمي الواسع، والسريع جداً، بهدف المحتفظة على العملية التعليمية المعتادة، دون عوائق، أو تحديات، مما أدى إلى دخول المنظومة التعليمية بأكملها عبر الفضاء الافتراضي، في حلة جديدة، وبأسلوب جديد، في فتره قصيرة جداً لم تكن في الحسبان.

وقد رأى العديد من المعنيين في بداية الأمر أن التطبيق العملي للتدريس عن بُعد، هو تجربة ناجحة ومتميزة؛ بل وأكدوا أنّ منظومة هذا النوع من التعليم، نجحت في تسيير العام الدراسي بكفاءة عالية، ونجاح كبير، دون مشكلات معقدة تذكر، أو عقبات مستعصية، إلا أننا في واقع الأمر نرى خلاف ذلك، فمع استمرار العمل بهذا النظام، واعتياد الطلاب عليه، نرى أن الفاقد التعليمي بدأ في الاتساع، ما بين التعليم المباشر، والتعليم عن بُعد، خلافاً لما يراه البعض، ذلك لأن تفاعل الطلاب قل بشكل كبير؛ بل أصبح تفاعل الأهل، هو المحرك الأول للعملية التعليمية، وتفوق الأبناء، وإن كان أغلبهم أصبحوا خارج إطار التفاعل الفعلي.

مكاسب مقابل خسائر

بين مكتسبات تحققت من التعليم عن بُعد، وخسائر وقعت، قال الدكتور عبد الله بن حمودة: لا ننكر أن هنالك مكاسب جديدة اكتسبها الطلاب من خلال التعليم عن بُعد، وبالذات في استخدام التكنولوجيا، إلا أنه أدى إلى خسارة مكتسبات أخرى، كالعلاقة التعليمية (بين المعلم والطلاب)، والنشاط الفصلي، وأخلاقيات التعامل المدرسي، والأساليب التعليمية، وغيرها من المكاسب المدرسية، إضافة لبروز سلوكات غير سوية لدى البعض، كالإهمال، واللامبالاة، والاستعانة بالآخرين في المشاريع البحثية، والاختبارات، وفقدان ملكات، ومهارات مختلفة، وأيضاً أدى التعليم عن بُعد، إلى ضمور مهارات المعلمين التقليدية، على حساب المهارات التقنية، وصعوبة تقييمها، أو تطوير أدائها، أو الوقوف على قياسها.

وفي حين أن العديد من الخبراء في التعليم يؤكدون أنّ التعليم عن بُعد سيكون الملاذ المستقبلي، إلا أننا نراه الملاذ عند الطوارئ فقط؛ ذلك أن الاستفادة من منصات التعليم الإلكترونية المختلفة، فيما بعد الوباء، قد تكون غير ذات جدوى، إلا في حالات الطوارئ، والأزمات.

استفادة أكبر

عبّر عدد من الطلبة عن فرحتهم الكبيرة بالعودة إلى مقاعدهم الدراسية، والى شرح الدروس من معلميهم بشكل مباشر، مع تأكيدهم إحساسهم بالملل من التعلم في منازلهم، عبر الجلوس لساعات أمام شاشات أجهزة الكمبيوتر، مع إشارتهم لضعف استيعابهم الدروس من خلالها بشكل جيد؛ حيث قال مايد نواف الكعبي: أتمنى العودة إلى المدرسة لأتلقى وأتلقن المعلومة جيداً من معلمتي وأنا أراها، وأبتعد قليلاً عن الجلوس على شاشه الكمبيوتر، كما أنني اشتقت لأصدقائي، واللعب معهم.

ووافقته الطالبة دانه خميس الرولي: أتمنى العودة للمدرسة، لأنني اشتقت لها، ولزميلاتي، ومعلماتي، ولوقت الفسحة، والشراء من المقصف، والجلوس في الصف، وحضور طابور الصباح، وأداء التمارين الرياضية، والوقوف لتحية العلم، وترديد السلام الوطني.

وانضمت إليهم في الرأي الطالبة شهد عبد الله الكعبي: أحب مدرستي، فهي بيتي الثاني لاكتساب التعليم المباشر، ولأنها برأيي أفضل من التعليم عن بُعد؛ حيث نستفيد بشكل أفضل فيها، خلاف الجلوس المتعب دون حركة، ولفترة طويلة أمام شاشة جهاز الكمبيوتر.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"