سعيّد الواثق..والغنّوشي المرتبك

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

لم يخيّب الرئيس التونسي قيس سعيّد التوقعات، وقرر تمديد الإجراءات الاستثنائية بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب إلى أجل غير مسمّى، ليبدأ بذلك فعلياً مسار اللاعودة إلى منظومة ما قبل 25 يوليو، بانتظار أن يعلن، بين يوم وآخر، عن تعيين رئيس جديد للوزراء وخريطة طريق واعدة تمهد لصياغة مستقبل البلاد وبناء نظام جديد على ركام عشرية من الفشل السياسي.

الواقفون في الضفة الأخرى المواجهة للقرارات الرئاسية، سُقِط في أيديهم، وربما إلى الأبد. فقد كان بعضهم يعلق الأمل على أن يتم التراجع عن «الإجراءات الاستثنائية» ليعودوا إلى مناصبهم سالمين، لكن ذلك لن يتحقق بعد الإعلان الرئاسي الجديد، فيما يسود الارتباك معسكر الأحزاب. وفي خطوة استعراضية لا تجدي، سارع زعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي إلى حل المكتب التنفيذي لحركته. وذلك لن يفيده بشيء بعدما تهدم السقف على الرؤوس الفاسدة ودخلت البلاد في منعطف جديد. فلو كانت «النهضة» قابلة للإصلاح لفعلت ذلك منذ سنوات، ولأظهرت للتونسيين أنها أهل لذلك، ولكنها ظلت لعشر سنوات تغرد بعيداً عن تطلعات الشعب، وترتكب من التجاوزات ما لم يشهد له تاريخ البلاد الحديث مثيلاً، من فساد وتساهل مع التطرف وتزوير طال كل شيء. وفضيحة الفضائح ما كشفته نقابة الأمن الوطني التونسية عن تزوير زهاء 30 ألف شهادة علمية خلال عهد «النهضة» لتتمكن من زرع عناصرها وأنصارها في مفاصل الدولة لغايات أصبحت مكشوفة للرأي العام.

مؤشرات استحالة العودة إلى ما قبل 25 يوليو أكدتها تصريحات الرئيس قيس سعيّد الواثقة في المستقبل، كما كشفها اتساع حملة التوقيفات وحظر السفر بحق نواب وقضاة ورجال أعمال، بالتوازي مع تقدم التحقيقات بشأن قضايا فساد كبيرة تورط فيها بعضهم، وأدت إلى ارتهان البلاد إلى عصابات منظمة تمكنت من السيطرة على عصب الدولة في السنوات الماضية. وقياساً إلى ما تم كشفه فإن الحرب على الفساد لن تحسم قريباً وقد يستغرق الأمر أشهر عدة، وطوال هذه الفترة لن تحلم الأحزاب بعودة البرلمان ولن يتم الكف عن ملاحقة النواب المشتبه فيهم في القضايا المعلنة. ومما يدفع رئيس الجمهورية إلى التصميم على مواقفه الدعم الشعبي الذي يلقاه في هذه المرحلة، في الوقت الذي أصبحت فيه الأحزاب عارية ومطاردة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وفي الشوارع والأسواق. وهذه الحالة الاجتماعية اللافتة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العمل على التغيير أصبح أمراً واقعاً ولا رجعة عنه.

الرئيس سعيّد، الذي يتصدر المشهد السياسي، لم يحقق العلامة الكاملة في مشروعه بعد، وأمامه فترة لا يجب أن تطول حتى يكشف عن خططه المستقبلية ومنها تشكيل حكومة جديدة والبحث في مصير الدستور وقوانين الأحزاب والانتخابات. وللحفاظ على ما تحقق لا يجب أن يطول الانتظار، فكل تأخير له ثمن في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة ومخططات المتآمرين من الداخل. وأغلب الظن أن الآتي سيكون أفضل وسيجبّ ما سبق من انهيار وإحباط وفساد.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"