الدولار والعملات المشفرة

00:00 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. محمد الصياد*

ذكرنا سابقاً أن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، هو أول من دشن عهد عملات «الفيات» في الزمن الحديث، وذلك حين اتخذ قراره الشهير بفصل الدولار الأمريكي عن الذهب في 15 أغسطس عام 1971. 
فالدولار الأمريكي، هو الآن في حقيقة الأمر «عملة فيات» (Fiat currency)، مدعومة بقوة السلطة القانونية للدولة المُصدِرة لها، بحيث تحظى بقبول المتعاملين العموميين والخواص. وهو لم يعد نقداً قيمته مدعومة ببعض السلع المادية مثل الذهب أو الفضة، كحال بعض عملات الدول التي ما زالت حكوماتها تحرص على تغطيتها باحتياطيات من المعادن النفيسة كالذهب والفضة، والتي تستحق أن نُطلق عليها نقداً سلعياً.
ولذلك هنالك رأيان يسودان الفكر الاقتصادي منذ نزع الغطاء الذهبي عن الدولار. رأي يقول بأن انهيار الدولار، لا يزال مستبعداً إلى حد كبير، وهو انهيار من بين شروطه، حدوث فقاعة تضخمية. ويضاف إلى ذلك عدم سماح كبار مصدري السلع إلى الولايات المتحدة مثل الصين واليابان بحدوث مثل هذا الانهيار لأن الولايات المتحدة شريك تجاري مهم للغاية بالنسبة لهذه وغيرها من الدول. وإذا كان الدولار الأمريكي غير مدعوم بالذهب أو أي معادن ثمينة أخرى، فإنه مدعوم بالنفط منذ سبعينات القرن الماضي، عندما نجحت الولايات المتحدة في دفع منظمة أوبك لتسعير صادراتها النفطية بالدولار، والذي أنتج ظاهرة البترودولار التي مكنت الدولار من جديد، من استعادة مكانته المهيمنة في العالم، حيث يتعين على أي دولة ترغب في شراء النفط أن تفعل ذلك بالدولار. لكن مفكرين آخرين، لا يعتدون بمثل هذه المحاججات، فهي لا تغير من حقيقة بقاء الدولار «عملة فيات»، لا توفر لها تلك الأسباب ضمانة كافية تجنبها تكرار كابوس 1971.
بدأ الإعلان عن نهاية الدولار منذ سبعينات القرن الماضي. لكن لم يحدُثْ قَط أن اجتمع هذا الكَمّ الكبير من العوامل الضاغطة على الاقتصاد الأمريكي، وفي مقدمتها وصول الدَّين الأمريكي إلى مستوى قياسي (حتى مع استبعاد حزم التحفيز المالي قيد الإقرار حالياً، فإن إجمالي الدين الحكومي الأمريكي منسوباً إلى إجمالي الناتج المحلي سيبلغ بنهاية هذا العام 115%؛ وسوف يقترب من 89 تريليون دولار بحلول عام 2029 وفقاً لموقع USDebtClock.org.
 ما سيرفع هذه النسبة إلى 277%، لتتجاوز بذلك نسبة الدين الياباني الحالية البالغة 272%. ولأجل إنتاج 14.99 تريليون دولار من الناتج المحلي في عام 2010، فقد احتاجت الولايات المتحدة لاقتراض 13.5 تريليون دولار، كلّفت فوائدها السنوية حوالي 414 مليار دولار. ومن أجل إنتاج 20.9 تريليون دولار من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020، احتاجت الولايات المتحدة لاقتراض 26.9 تريليون دولار، دفعت كلفتها في صورة فائدة سنوية بلغت 376 مليار دولار (الانخفاض في إجمالي قيمة الفائدة المدفوعة ناتج عن سياسة نقدية تعتمد أسعار فائدة سلبية). 
وليس بوسع الولايات المتحدة تحمُّل وَقف تراكم الديون، ذلك أن هذه الديون هي التي ساهمت في تمويل حروبها في العراق وأفغانستان وفي تعزيز دورها القيادي في العالم وتأمين متطلَّبات الهيمنة لديها؛ وهي بالتالي ضرورة حيوية بالنسبة لها. في عام 2020، بلغت حصة الولايات المتحدة من إجمالي الناتج العالمي الذي بلغ حوالي 84.54 تريليون دولار (انخفاضاً بواقع 3 تريليونات دولار في عام 2019، بسبب جائحة كورونا) - 15.9%. وبلغت حصتها من إجمالي التجارة العالمية التي بلغت في عام 2019، حوالي 19 تريليون دولار، حوالي 20%. فهل هذه الحصة تؤهل عملتها الوطنية لاستمرار تمتعها بكل الامتيازات التي تحوزها؟
في عام 2011، نشرت الكاتبة والصحفية السويسرية من أصول مصرية، ميريت زكي، وهي واحدة من أشهر الصحفيين والكتّاب السويسريين المُختصِّين في الاقتصاد والمال والأعمال، بما أصدرته من كُتب كان أولها حول كارثة مصرف «يو بي أس» في الولايات المتحدة بعنوان «يو بي أس على حافة الهاوية»، والثاني حول التهرُّب الضريبي بعنوان «السر المصرفي مات، يحيا التهرّب الضريبي» – كتاباً بالفرنسية تحت عنوان «نهاية الدولار»، حذرت فيه من تحوُّل الدولار الأمريكي إلى أكبر فقاعة للمُضاربة في التاريخ، وأعلنت بأنَّ الدولار في طريقه إلى الانقراض، حاله حال الديناصورات، وإنه الآن مفلسٌ من الناحية التِقنية. 
وحسب زكي، فإنَّ «انهيار الدولار الأمريكي واقع لا محالة ولا مَفَر منه، وما الحديث عن الاقتصاد الأكبر في العالم، سوى وَهْم كبير في الواقع. مستشهدة بالكلفة العالية التي تدفعها الحكومة الأمريكية في صورة فوائد سنوية على الديون التي لا تستطيع العيش بدونها من أجل تأمين دورة نمو إيجابية. والذي ظل يحمي الدولار حتى الآن هو وجود مصلحة للجميع في استمرار الولايات المتحدة وبقاء الاقتصاد الأمريكي واقفاً على قدميه، لهذا، ستستمِر حالة الرفض لهذا الواقع وإنكار الحقائق. لكن ذلك لن يستمر لكل الوقت.
وهناك عددٌ مُتزايد من الكتّاب الأمريكيين الذين يعتقِدون أن السياسة النَّقدية لبلادهم، ستؤدِّي بالنتيجة إلى هذه الحالة. جوزيف ستيجليتز في كتابه «السقوط الحر..الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي»، تحدث عما أسماه «نظام رأسمالي جديد يتسم بتراجع الثقة العالمية في الدولار الأمريكي بسبب حجم الدين الأمريكي منسوباً لإجمالي الناتج المحلي». كما أن عدداً من البنوك المركزية في العالم بدأ بتوجيه انتقادات غير مسبوقة للسياسات النقدية التي تتبعها الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بما يسمى «التسهيل الكمي»، مُكوِّنة بذلك موقفاً مضاداً للسياسة النقدية الأمريكية.
* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"