خطة التكيف الجنوب إفريقية

00:05 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. محمد الصياد*

دولة جنوب إفريقيا، بمعايير مؤشرات الأداء الاقتصادي، هي من الدول النامية المتقدمة؛ بإجمالي ناتج محلي يبلغ أكثر من 320 مليار دولار (خسرت 30 ملياراً بسبب جائحة كوفيد-19). وهي عضو في مجموعة العشرين؛ وممثل أساسي وقوي في مجموعات التفاوض الرئيسية والمستويات العليا من صناعة القرار الخاص بتغير المناخ. ولهذا كانت لافتة معاكسة جنوب إفريقيا لاتجاه المباحثات والمفاوضات الذي ساد في اجتماع وزراء المناخ والطاقة لمجموعة العشرين الذي عقد في شهر يوليو الماضي في نابولي، والذي ركز، كما جرت العادة، على قضية التخفيف، أي خفض الانبعاثات، وإهمال قضيتي التكيف والتمويل. ففي أول اجتماع يتم بحضور شخصي لوزراء المناخ يعقد منذ 18 شهراً، وشارك فيه ممثلون من 51 دولة، بما فيها الولايات المتحدة والهند والصين، إلى جانب الدول الأكثر انكشافاً على ظاهرة الاحترار العالمي، مثل رواندا وكوستاريكا وجزر مارشال - في هذا الاجتماع الذي استضافته لندن أواخر شهر يوليو الماضي، والتي ستترأس الدورة القادمة لمؤتمر الأطراف في جلاسجو في شهر نوفمبر القادم، قدمت جنوب إفريقيا اقتراحاً بوضع هدف عالمي، وتنفيذ خطة عالمية للتكيف، بموجبهما دعت وزيرة البيئة الجنوب إفريقية التي شاركت في الاجتماع، باربرا كريسي، إلى إدخال تحسينات قابلة للقياس الكمي في مرونة التكيف مع تأثيرات المناخ، تقيس قدرة المجتمعات الضعيفة على التكيف مع الظواهر الجوية الشديدة والفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر، من خلال العمل على زيادة مقاومة سكان العالم للتأثيرات المناخية بنسبة 50% بحلول عام 2030، وبنسبة 90% على الأقل بحلول عام 2050، كهدف عالمي مقترح للتكيف، من أجل إعطاء أجندة التكيف نفس الوزن الذي يحظى به خفض الانبعاثات. وقالت كريسي، إنه ينبغي التركيز على زيادة الفوائد الصحية والأمن الغذائي والمائي وتكييف البنية التحتية لتأثيرات المناخ المتوقعة خاصة في إفريقيا والدول الجزرية الصغيرة النامية والبلدان الأقل نمواً.
الوزيرة الجنوب إفريقية، انطلقت في اقتراحها من اتفاق باريس للمناخ الذي اتفقت فيه الأطراف على تحديد هدف عالمي خاص بالتكيف، لتعزيز قدرة الدول على التكيف، وتقوية المرونة المناخية، وتقليل التعرض لأضرار وآثار تغير المناخ. لكن مشكلة اتفاق باريس، فيما خص التكيف، إنه لم يصل إلى حد تحديد الشكل الذي يجب أن يبدو عليه الهدف وكيف ينبغي تقييم التقدم المحرز بشأنه. 
ففي حين أن هناك طرقاً محددة لرصد الانبعاثات والجهود المبذولة للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية، فإن إيجاد مقياس مشترك لطرق مختلفة للتكيف مع تأثيرات المناخ الإقليمية، لم يحظَ حتى الآن بأي اهتمام مستحق، بسبب هيمنة الأجندة المناخية الأوروبية الغربية على طاولة المفاوضات. يحدث ذلك رغم مطالبة قرابة 100 دولة نامية، بما في ذلك جنوب إفريقيا، بضرورة تحقيق تقدم ذي شأن بالنسبة لتحديد وتنفيذ هدف التكيف منذ توقيع اتفاقية المناخ لعام 2015. وهذا ما يدفع البلدان النامية، ومنها جنوب إفريقيا، للإعلان المتكرر، بأن التقدم المحدود في وضع تفاصيل دقيقة حول التكيف يقوض التوازن السياسي الذي تم تحقيقه في باريس، ناهيك عن وجود نية صادقة أصلاً لتحقيق التكافؤ بين التخفيف والتكيف.
وقد اقترحت الوزيرة الجنوب إفريقية بالفعل رقماً لهدف التمويل الجماعي المقبل المتعلق بالمناخ، وهو ضرورة تعبئة 750 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030. ولا أدري كيف ستتعامل الدول الغنية مع هذا المقترح في جلاسكو، في ظل وجود 100 مليار دولار متأخرات لصندوق المناخ الأخضر، وفي ضوء مقترح سابق لحوالي 100 دولة نامية، يقضي بأن توفر الدول الغنية ما لا يقل عن 100 مليار دولار سنوياً من مصادر التمويل الحكومية اعتباراً من عام 2025، وعلى أن يتم استكمالها من مصادر تمويل أخرى!
هذا يعني أن لجنة التكيف التي أُنشئت في عام 2010، وتضم 16 عضواً يمثلون المجموعات الإقليمية الخمس للأمم المتحدة، والدول الجزرية الصغيرة النامية، والبلدان الأقل نمواً، بهدف غير محدد بدقة، وهو «دفع تطبيقات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، بشأن التكيف، قدماً إلى الأمام، عبر توفير إرشادات الخبراء، وتعزيز التوعية، ودعم تنفيذ اتفاقية باريس لتغير المناخ من خلال معالجة قضايا التكيف الحاسمة» - لم تفعل شيئاً ذا بال لقضية التكيف، اللهم الاكتفاء بدعوة الدول الأطراف بتزويدها بتقرير حول ما تفعله وتخطط للقيام به في مجال التكيف مع تأثيرات تغير المناخ، والتحديات التي تواجهها، وما إن كانت بحاجة إلى مساعدة. أما صندوق التكيف الذي أنشئ عام 2001 لتمويل مشاريع وبرامج التكيف الملموسة في البلدان النامية الأطراف في بروتوكول كيوتو المعرضة بشكل خاص للآثار الضارة لتغير المناخ، فهو بميزانيته المتواضعة، التي لا تتجاوز مليار دولار (توازياً مع الأهمية الثانوية المعطاة لقضية التكيف من قبل الدول الأوروبية الغربية) – فهو مؤسسة ضئيلة للغاية قياساً إلى القضية المناخية الكبرى التي أنشئ من أجلها، وهي قضية التكيف مع تأثيرات تغير المناخ الكاسحة.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"