لا بديل عن الحوار

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

في كلّ التجمعات الإقليمية يمكن أن تحدث المناوشات وحتّى الصراعات، ولكن في نهاية المطاف يعود الفاعلون في ذلك التجمّع إلى التهدئة والتحاور ومن ثمّ إعادة البناء، والمغرب العربي يشهد هذه الفترة مجموعة أزمات بعضها قديم وبعضها مستحدث، ولكنّ التفكير العقلاني يقودنا دوماً إلى الإقرار بأنه لا بديل عن الحوار وعن اتحاد دول المغرب العربي..
القطيعة بين المغرب والجزائر تعود إلى عدّة سنوات على خلفية المواقف المتباينة بين الدولتين من قضية الصحراء، وتمّ تصعيد الخلاف منذ أيام إلى حد القطيعة النهائية بين الدولتين بعد إعلان الجزائر عن قطع علاقاتها مع المغرب. والعلاقة بين تونس وليبيا ليست في أفضل أحوالها بعد تمسك تونس بإغلاق حدودها منذ الخامس والعشرين من يوليو الماضي، وبعد التدخل السافر من جماعة الإخوان الليبية في الشأن التونسي وتواتر المعلومات والتقارير عن مجموعات إرهابية تريد التسلل من ليبيا إلى تونس لضرب استقرار البلد الجار فضلاً عن اتهام عبد الحميد الدبيبة للحكومة التونسية بأنها هي من صدّرت نحو 10 آلاف إرهابي إلى ليبيا. وبين هذا الموقف وذاك تتعالى الأصوات العقلانية منادية بأنّ مصير شعوب منطقة المغرب العربي واحد مهما اشتدت الخلافات والأزمات، وأنّ المضي في تعميق هذه الخلافات هو سير في المخططات التي لا تريد لدول الوطن العربي عموماً أن تتقارب وأن تعمق وحدتها وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية.
لو عدنا إلى التاريخ لن نجد تجمّعاً إقليمياً عانى من الحروب والأزمات مثل التجمّع الأوروبي. فهذه المنطقة شهدت حربين عالميتين، ومع ذلك استطاعت دول أوروبا أن تقفز على جراحها وأن تعلي صوت المنطق والعقل وتعطي الأفضلية للمصالح الاقتصادية وللعلاقات الإنسانية، ليصبح هذا التجمع من أفضل النماذج لوحدة المصير ولعمق العلاقات الاستراتيجية بين شعوبه. بل ليتحوّل إلى أحد أهم اللاعبين الدوليين في المجالات العلمية والتقنية والاقتصادية والمالية والعسكرية، وليصبح له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وزناً دبلوماسياً لا يختلف عليه اثنان.
منطقة المغرب العربي القريبة من أوروبا تمتلك كافة الإمكانيات لتصنع نموذجاًً حضارياً «مطابقاً للأصل» في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط خاصة إذا توسع هذا التجمع شرقاً ليشمل مصر. فالإمكانات الجغرافية لدول اتحاد المغرب العربي هي أكبر بكثير من قضية الصحراء، التي لو تم حسن استثمارها ضمن إطار المغرب الكبير، لتحولت إلى قاعدة تجارية ولوجستية على المحيط الأطلسي وتكون منفذاً بحرياً غربياً يربط دول الاتحاد بالأقطاب الاقتصادية الكبرى في العالم. كما أن الثروات الطبيعية بما في ذلك الطاقات البديلة أو المتجددة، هي أفضل بكثير مما توفر لدول الاتحاد الأوروبي عند تأسيسه. و لا أحد يمكن أن يجادل في أهمية منطقة المغرب العربي من حيث موقعها الاستراتيجي، ومن حيث أهميتها التنافسية في كسب مزيد من الحلفاء لو تحركت هذه الدول بصوت موحّد في المحافل الدولية.
سهام كثيرة اخترقت وتخترق كيان الاتحاد المغاربي، وعملت وتعمل على دقّ الأسافين بين دوله، وكلّها لا تريد لهذا الكيان أن يصبح قوة إقليمية في المنطقة. ربما نجحوا في بعض المراحل في تنفيذ تلك السياسات التقسيمية وربما ينجحون الآن في تعميق الشروخ، ولكن إرادة لشعوب لا تقهر، وهي أقوى من الحسابات السياسية، وأقوى من المخططات التفتيتيّة. ولكن يتطلب ذلك ترسيخ قيم الحوار الهادئ وقيم الوحدة التي هي الآن في المستوى «الوجداني» لتصبح في مستوى أعلى وهو المستوى «العقلاني» المبني على ضرورة تشبيك العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والإدارية والعلمية، ثمّ المستوى الاجتماعي. عندها فقط سيتحول المشروع من حلم إلى واقع، وعندها فقط سيصبح غلق الحدود أمراً من الماضي، وسيكون لدول الاتحاد تمثيل خارجي موحد يتحدّث بمصالحها مجتمعة ويدافع عنها ويتصدى لكل المحاولات التخريبية.. هكذا تشتغل مؤسسة الاتحاد الأوروبي، وهكذا تستفيد الشعوب الأوروبية من «العقلانية».
إنّه أمر غير مستحيل أو حتى صعب التحقيق.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"