جزيرة الأمل

الهجرة والتضامن في البحر الأبيض المتوسط
23:03 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ميغان أ.كارني
ميغان كارني أستاذ مساعد في كلية الأنثروبولوجيا ومديرة مركز دراسات الأغذية الإقليمية بجامعة أريزونا

تصاعدت مستويات الهجرة من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا إلى أوروبا خلال السنوات الأخيرة لأسباب عديدة، لعل أبرزها تغير المناخ والحروب الأهلية. تعد جزيرة صقلية أحد أهم المراكز التي يلجأ إليها المهاجرون عبر البحر الأبيض المتوسط. يناقش الكتاب شكل التضامن والرفض الذي يبديه السكان في هذه الجزيرة.

مع قيام آلاف المهاجرين برحلات بحرية محفوفة بالمخاطر من شمال إفريقيا إلى أوروبا كل عام، أصبحت الهجرة سمة مميزة للحياة الاجتماعية في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​اليوم. 

في جزيرة صقلية، حيث يصل العديد من المهاجرين، غالباً ما تكون ملامح استقبال المهاجرين واندماجهم مفعمة بالحيوية، من خلال اهتمامات أكبر بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

يسلط كتاب «جزيرة الأمل» (صادر عن مطبعة جامعة كاليفورنيا في مايو 2021 باللغة الإنجليزية ضمن 240 صفحة) الضوء على ظهور مبادرات وشبكات التضامن الاجتماعي التي تم تشكيلها بين المواطنين وغير المواطنين الذين يعملون معاً، لتحسين سبل العيش المحلية والتعبئة الشعبية من أجل تغيير سياسي جذري.

يعاين الكتاب مبادرات التضامن مع المهاجرين باعتبارها تتطابق مع سياسة التحول التي تكشف عن تحولات مهمة في التنظيم الاجتماعي (والعالمي) للرعاية ومعاني المواطنة والانتماء. ويستشهد بقضية صقلية كمثال على الطرق التي تجعل المشاريع النيوليبرالية ممكنة، وتتحداها سلوكيات عاطفية محددة تعبر عن تكوينات معينة من العمل والرفاهية والمواطنة.

تستند الكاتبة في مناقشتها إلى سنوات من العمل الميداني الإثنوغرافي مع مجتمعات الخطوط الأمامية في صقلية، مؤكدة أن مثل هذه التعبئة لها أهمية ليس فقط بالنسبة لحقوق المهاجرين، ولكن للرفاهية المادية والعاطفية للمجتمع ككل.

مواجهة التهميش

على الرغم من اكتساب المشاعر المعادية للمهاجرين والشعبوية زخماً في جميع أنحاء إيطاليا ومعظم أوروبا، كانت هناك حركة قوية من التضامن الاجتماعي، والعمل السياسي المناهض للعنصرية، والسياسات المؤيدة للمهاجرين. مع تسجيل أكثر من عشرة آلاف حالة وفاة بين عامي 2014 و2018، تم اعتبار وسط البحر الأبيض المتوسط ​​«الحدود الأكثر دموية في العالم»، وهو تمييز استنكره عالم الأنثروبولوجيا نيكولاس دي جينوفا باعتباره «مشيناً». على غرار الرفض المنهجي من حكومة الولايات المتحدة لقبول المسؤولية عن الخسائر الواسعة في الأرواح البشرية في صحراء سونوران التي تمتد عبر المنطقة الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وتعد كطريق رئيس للهجرة غير الشرعية؛ قامت حكومات الاتحاد الأوروبي بشكل روتيني بنشر سياسة اللامسؤولية في حساب حصيلة القتلى التي جعلت البحر الأبيض المتوسط ​​«مشهد موت مروّع». شجع شبح التجريم في السياقات الجيوسياسية لكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الجهود الحالية التي تبذلها الجماعات الإنسانية لمساعدة المهاجرين، وتتحدى بشكل صارخ سلطات الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان باستمرار.

يبحث الكتاب في عمل الجهات الإنسانية إلى جانب الأشكال الأكثر شعبية ومحلية من العمل الجماعي المسيس والمساعدات المتبادلة التي تحرك سياقات استقبال المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط. كما يركز على التجارب الحية للمواطنين وغير المواطنين الذين كانوا يؤدون جوانب مختلفة من العمل التضامني مع المهاجرين في الخطوط الأمامية ل «أزمة الهجرة» في أوروبا. ويؤكد كافة أشكال التضامن مع المهاجرين التي تتحد مع تعبئة أوسع للعدالة الاجتماعية في هذه اللحظة في البحر الأبيض المتوسط. كما يوضح أنه يتم استخدام التضامن مع المهاجرين كعلاج لآثار التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي داخل الأطراف الجنوبية لأوروبا، وتحديداً صقلية، وفي وجه الأزمات الاقتصادية الحديثة والإصلاحات النيوليبرالية التي تسببت في الشعور بالاغتراب والضيق في المنطقة.

يلقي الكتاب الضوء على أشكال العمل الجماعي - بين المواطنين العاديين وغير المواطنين - التي ظهرت على الرغم من الإخفاقات المتعددة للإنسانية ودولة الرفاهية. تعمل هذه الإجراءات الجماعية على تعزيز النضال من أجل الاستقلال والكرامة بين صقلية وتمثل وجهاً مهماً - ولكن غالباً ما يتم تجاهله - لاستقبال المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، فإن الدفاع عن التضامن مع المهاجرين هو مشروع مُجرَّم بشكل متزايد في السياق الأوروبي، كما يتجسد في حالة الكابتن راكيت. ومع ذلك، يؤكد الفاعلون الاجتماعيون الرئيسيون في التضامن مع المهاجرين أن عملهم حيوي، خاصة أن حكومات الاتحاد الأوروبي تواصل الاستثمار في «التكتيكات الحدودية» التي تعرض المهاجرين لمخاطر متزايدة في البحر الأبيض المتوسط.

دفاعاً عن التضامن

تتحدث الكاتبة في مقدمة عملها عن موقف إنساني بنت عليه كتابها، تقول فيه: «في 29 يونيو 2019، تحدت الكابتن كارولا راكيت البالغة من العمر 31 عاماً السلطات الإيطالية، وعرضت نفسها لخطر الاعتقال عندما قررت أن ترسو بقارب البحث والإنقاذ الخاص بها في جزيرة لامبيدوسا الصقليّة، ما سمح لأربعين مهاجراً بالنزول بعد سبعة عشر يوماً من الانجراف في البحر. قبل الإعلان عن هذا القرار على وسائل التواصل الاجتماعي، قامت الكابتن راكيت بمحاولات عديدة للحصول على تعاطف المسؤولين الحكوميين الذين رفضوا منح الإذن بالنزول. ألقت السلطات القبض على راكيت على الفور عندما وصلت بقاربها إلى الشاطئ، لكن لحسن الحظ في ذلك الوقت كانت قد حصلت على اعتراف دولي، وتم تنظيم العديد من حملات التمويل الجماعي في جميع أنحاء القارة الأوروبية لدفع الغرامات الباهظة التي يُحتمل أن تُفرض عليها وضد المنظمة غير الحكومية التي عملت معها. مع اعتقالها، اندلعت الاحتجاجات في جميع أنحاء أوروبا، حيث انضم مسؤولون منتخبون إلى المتظاهرين الذين رددوا أمام السلطات الإيطالية «حرروا كارولا!» في باليرمو عاصمة صقلية. خرج العمدة ليولوكا أورلاندو، تلاه مئات المتظاهرين، حاملين لافتة كتب عليها:«الهجرة ليست جريمة. إنقاذ الأرواح ليس جريمة. التضامن لن يتوقف». بعد أيام، أعلنت محكمة في بلدة أغريجنتو على الساحل الجنوبي لجزيرة صقلية أن الكابتن راكيت بريئة. وأضاف المسؤولون في صقلية أن تصرفات راكيت كانت مبررة«في أداء الواجب»وهو: إنقاذ الأرواح في البحر ومنع نقل المهاجرين إلى ظروف غير آمنة في مراكز احتجاز المهاجرين في شمال إفريقيا. في غضون ساعات من قرار المحكمة، استهدفت غارة جوية مركز احتجاز المهاجرين في ليبيا، ما أسفر عن مقتل أكثر من أربعين شخصاً. وأعلنت راكيت أن قرار المحكمة«انتصار كبير للتضامن مع الأشخاص المتنقلين»».

تناقض المواقف

وتضيف الكاتبة: «بين عامي 2014 و2018، وصل أكثر من مليوني مهاجر عن طريق البحر إلى شواطئ أوروبا. غادر عدد كبير من هؤلاء المهاجرين إلى صقلية هرباً من الحرب والجوع الشديد والفقر والتجنيد العسكري والاضطرابات السياسية والاجتماعية والانهيار البيئي في بلدانهم الأصلية. قام وزير الداخلية الإيطالي المعين حديثاً، ماتيو سالفيني - المعروف أيضاً باسم «ترامب إيطاليا» بسبب خطابه الساخر والمعادي للمهاجرين - بتدبير تغيير جذري في سياسات الهجرة الوطنية. منع سالفيني سفن المنظمات غير الحكومية التي تنقل المهاجرين من الرسو في الموانئ الإيطالية، وسعى إلى تجريم أي شخص يقدم المساعدة للمهاجرين. كما وصف سالفيني الكابتن راكيت بالمجرمة، ودان قرارها بالرسو في لامبيدوسا بأنه«عمل من أعمال الحرب»، كما نقلت عنه العديد من وسائل الإعلام.

 في غضون ذلك، أثارت تصرفات راكيت مزيجاً من التعاطف والغضب بين سكان صقلية. وأشاد بعض السكان بجرأتها، ووصفوها بأنها قديسة بسبب محافظتها على التزاماتها الإنسانية؛ وقف آخرون إلى جانب سالفيني، وأظهروا استياءهم من راكيت بسبب زيادة العبء الظاهر على المجتمعات المحلية بالهجرة المتجهة إلى أوروبا عبر صقلية. تحسر الكثيرون على حقيقة أن جزيرتهم قد تحولت إلى نقطة دخول فعلية إلى الاتحاد الأوروبي أو«مخيم اللاجئين في أوروبا»، كما قال سالفيني ساخراً. حتى سكان صقلية الذين دعموا الهجرة اعتقدوا أنه من غير العدل أن تتحمل جزيرتهم ومنطقتهم الجزء الأكبر من المسؤولية في شؤون استقبال المهاجرين».

التقشف والأبعاد العاطفية 

بعد وقت قصير من «أزمة الديون السيادية» الإيطالية في عام 2008، ضغط صندوق النقد الدولي والمؤسسات السياسية والاقتصادية الأوروبية على الحكومة الإيطالية لتنفيذ سلسلة من إجراءات التقشف. يتألف نظام التقشف في إيطاليا من فرض ضرائب أكثر صرامة والتراجع عن أنظمة الرفاهية والمعاشات التقاعدية في البلاد. ومن أبرز هذه التغيرات الزيادة في الضرائب على الدخل والممتلكات؛ تخفيضات على المعاشات والأجور؛ التأخير في سن التقاعد وتوقيت حصول الأفراد على معاشات تقاعدية؛ والتخفيضات واسعة النطاق في الإنفاق العام التي تؤثر في المقام الأول على قطاعات الصحة والتعليم والنقل والتراث الثقافي. تم تنفيذ تدابير التقشف هذه حتى في الوقت الذي عانى فيه العديد من المواطنين الإيطاليين وغير المواطنين من الركود الاقتصادي. لاحظ علماء الاجتماع الناقدون باهتمام الضرر الجسيم الناجم عن أنظمة التقشف. غالباً ما يصاحب ذلك التراجع عن خدمات الصحة العامة والرعاية الاجتماعية الأساسية، زيادات في أسعار السلع الأساسية، وتخفيضات في الأجور، وانتشار البطالة. تقول الكاتبة: «ترتبط التخفيضات المباشرة في الخدمات الصحية والقطاعات العامة الأخرى بتدهور صحي واسع النطاق، على الرغم من أن غالبية الأبحاث تظهر أن أكبر الخسائر الصحية تقع بين الفقراء، ومن يتم تهميشهم بشكل منهجي، بسبب عرقهم أو جنسهم أو طبقتهم أو جنسيتهم. سلطت الإثنوغرافيا الحديثة الضوء على مدى انتشار سياسات التقشف في تفاقم تفاوت فرص الحياة، وزيادة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية».

وتضيف: في حديثه عن هذه الاتجاهات، كتب عالم الأنثروبولوجيا أندريا موهلباخ في 2014:سياسات التقشف في أوروبا.. ليس فقط أنظمة العمل المستقرة، والمعاشات التقاعدية، والبنى التحتية، وحياة الأوروبيين الفقراء، ولكن فكرة الرفاهية بحد ذاتها. لا يمكن تحليل التكثيف الأخير للهجرة إلى الاتحاد الأوروبي دون النظر في تأثير مؤسسات معينة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على التنمية والأسواق في معظم أنحاء القارة الإفريقية والشرق الأوسط. أدت عقود من برامج التكيف الهيكلي، وتحرير التجارة، وإلغاء الضوابط بين الاتحاد الأوروبي و«شركائه» في الجنوب العالمي إلى إفقار العديد من البلدان المرسلة للمهاجرين اليوم. إن شمال الكرة الأرضية متورط في أشكال مختلفة من النزوح البشري، بما في ذلك فرض الديون، وتعطيل سبل العيش الزراعية، وخصخصة الخدمات الأساسية التي هددت رفاهية السكان بأسرها في جنوب الكرة الأرضية».

على غرار اتفاقيات التجارة الحرة، وإلغاء الضوابط التنظيمية (أو بدلاً من ذلك، «التنظيم الجديد») للأسواق والشركات، وخصخصة الخدمات العامة، تعد سياسات التقشف جزءاً لا يتجزأ من الأنظمة الرأسمالية النيوليبرالية. فهي «مجموعة من الأضداد التي يمكن أن تحتوي على ما يبدو على أنها ممارسات وأخلاقيات وعواطف متعارضة». يعتبر العديد من العلماء أن «الليبرالية الجديدة» لها طابع تعددي يشمل التوترات والتناقضات والحركات المتعددة. على هذا المنوال، تشير المنح الدراسية الحديثة التي تدرس حركات التضامن في جنوب أوروبا إلى أن الليبرالية الجديدة والتضامن «متشابكان» ويمثلان وجهين لعملة واحدة.

كبش فداء

ترى الكاتبة أن «شعب صقلية كان كبش فداء بشكل روتيني، عندما ألمحت منظمات حقوق الإنسان إلى«إخفاقات» في نظام استقبال المهاجرين في إيطاليا، كما لو أن صقلية لم تكن منطقة من إيطاليا (وإن كانت ظاهرياً منطقة مستقلة). رداً على الاتهامات الموجهة ضد سكان الجزيرة، لجأ العديد من سكان صقلية إلى خطاب معادٍ ومناهض للمهاجرين يزيل اللوم عن الديون والتقشف بعيداً عن ممارسات الدولة ومواطني صقلية، على الرغم من حقيقة أن العديد منهم موجود هناك لأنهم تكوينات القوة ما بعد الاستعمار التي تحافظ على الوجود الأوروبي وتعززه في أماكن بعيدة عما يسمى بالحدود الأوروبية مثل القرن الإفريقي. تتوافق هذه الممارسات الخطابية والمادية مع الديناميكيات الاستعمارية التي كانت لها تاريخياً».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
1
جورجيو أغامبين
1
ستيفن فريدمان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ويل أديبانوي وروجرز أوروك
1
كارو بولدينغ وكلاوديو أ.هولزنر
1
جوسي هانهيماكي
1
باربارا أ. جانسون
1
تيد أ. هينكن وسارة غارسيا سانتاماريا
1
تيري إل.كاراوي و ميشيل فورد
1
أولواسيون تيلا
1
بول ميدفورد
https://tinyurl.com/np8scakw