هكذا تعيش الإمبراطوريات

00:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

دون أن يكون هدفه الدفاع عن الإدارة الحالية أو التخفيف من وقع الصدمة والإحساس بالمهانة القومية، يري فريق من الخبراء والمفكرين السياسيين الأمريكيين أن التطورات الدرامية التي شهدتها أفغانستان وانتهت بعودة طالبان إلى الحكم، ليست بالحجم الكارثي المخيف الذي يصوره أو يتصوره التيار الغالب من السياسيين والإعلاميين.

يعتبر هذا الفريق أن ما جرى إهانة حقيقية، لكنه ليس كارثة قومية أو هزيمة عسكرية مذلة. ما حدث ليس أكثر من سقطة عابرة أو كبوة صغيرة في المسيرة الإمبراطورية لأمريكا. وعند النظر للحرب من منظور شامل بعيداً عن التفاصيل وعن مشاهد الفصل الأخير المحرج، فإنه يمكن القول إنها لم تكن حرباً ناجحة، لكن في سياق آخر وبالنظر إلى إصرار أمريكا على البقاء كإمبراطورية مهيمنة، ليست حرباً فاشلة.

الإمبراطورية، بناء على هذه الرؤية، يجب أن تدفع ثمن بقائها وهيمنتها. والثمن الذي دفعته أمريكا لحربها في أفغانستان يظل قليلاً ومحدوداً ومقبولاً، قياساً على إمكانياتها الهائلة من ناحية، ومكسبها وهو بقاء وجودها الإمبراطوري من ناحية أخرى. أحد المتحمسين والمروجين لهذه الرؤية هو جيف فاوكس، مؤسس معهد السياسة الاقتصادية الذي عرض وجهة نظر هذا التيار في تقرير نشره موقع «جلوباليست» السياسي.

يطرح الباحث ست حقائق تتجاوز بعموميتها وشموليتها تفاصيل المشهد الأفغاني المضطرب، ومن ثم توفر فهماً أعمق للواقع، وتفسر لماذا لا يعتبر نكسة أفغانستان هزيمة خلافاً لما يراه الآخرون. الحقيقة الأولى هي أنه ليس ضرورياً أن تربح الإمبراطوريات كل حروبها البعيدة. وأمريكا بالفعل إمبراطورية عالمية بميزانية عسكرية تفوق مجموع ميزانيات الدول الإحدى عشرة التي تليها في الإنفاق. ولديها ما لا يقل عن 800 منشأة عسكرية في العالم. وفي 2016 كانت قواتها الخاصة تنتشر في نحو 140 دولة. وأفغانستان ليست أكثر من محطة صغيرة في الرحلة الإمبراطورية الطويلة.

الحقيقة الثانية عن الثمن الذي تدفعه الإمبراطوريات. من هذا المنظور، فإن حرباً استمرت 20 عاماً تستحق كل هذه التكلفة. بشرياً خسرت أمريكا نحو ستة آلاف جندي، بينما قتلت أكثر من 250 ألف أفغاني عدا مئات الآلاف من المشردين. مادياً كلفت الخزانة نحو 2,3 تريليون دولار. وعلى الرغم من ضخامة المبلغ فإنه أقل من 1% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي.

الحقيقة الثالثة بعنوان الفوز أحياناً والخسارة في أحيان أخرى، وملخصها أن الوجود العسكري الأمريكي في أنحاء العالم يخلق عداوات، وهو ما حدث مع كل الإمبراطوريات عبر التاريخ. ومع ذلك لن يتوقف تدخل أمريكا في الحروب الخارجية التي تورطت فيها نحو 190 مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وخسرت بعضها وكسبت أخرى.

الحقيقة الرابعة يصيغها الكاتب تحت عنوان «يا لها من إمبراطورية». ويقول ساخراً إنه بعد كل نكسة، تتعهد الطبقة السياسية الحاكمة بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام، إلا أنها تفعل ذلك بالمدافع والطائرات المسيرة، ثم تعد بأداء أفضل في المرة القادمة! ذلك أنه دائماً هناك مرة قادمة.

الحقيقة الخامسة عن تواطؤ الإعلام، حيث لا تشير وسائل الإعلام الرئيسية إلى الطابع الإمبراطوري لأمريكا، وحرصها على الهيمنة العالمية، وبالتالي لا يشعر المواطن بحجم العبء الذي تتحمله بلاده جراء إصرارها على هذا التوجه.

الحقيقة الأخيرة هي أن قدرة أمريكا على تحمل التكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة لاستمرار دورها الإمبراطوري باتت تتضاءل، كما أنها لا تستطيع الاستغناء عن خصومها مثل الصين وروسيا في مواجهة أزمات عالمية، مثل التغير المناخي أو «كورونا».

الخلاصة أن الإمبراطورية تتداعى. لا يمكن أن تواصل أمريكا دورها كشرطي وقاض وجلاد في العالم، ليس أمامها سوى القبول بدور أقل طموحاً وأهمية وهيمنة، وأن تتقبل فكرة العالم متعدد الأقطاب الذي لا تنفرد بقيادته. يجب أن تعترف بالواقع الجديد، وإلا فإن احتمال حدوث مأساة جديدة على غرار نكسة أفغانستان سيصبح محتماً. المستقبل قد لا يكون مشرقاً ولابد أن تستعد له.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"