أزمة كبيرة

00:24 صباحا
قراءة دقيقتين

تحول عدد كبير من المجتمعات اليوم  ومن بينها مجتمعنا  وبشكل أسرع من أي وقت مضى إلى مجتمعات استهلاكية، ليس في مجال الضروريات فحسب، بل إلى الكماليات، بعد أن داهمتها مرض الشراء اللاإرادي الذي يؤسس له مشاهير التواصل الاجتماعي حالياً، ويبثون رسالته ليل نهار عبر مختلف القنوات والحسابات والصور والأشكال، من دعاية مباشرة أو عبر تلميحات وقصص مفبركة، هدفها الأول والأخير أن تساق إلى شراء سلعة بعينها، بعد أن يثمر هذا الإلحاح الإعلاني في محاصرة المشاهد، ويجره جراً إلى اقتناء تلك السلعة التي لا تحتاج إليها أصلاً.
بعد أن كانت الموضة مقتصرة على اللباس فقط، وما يرتبط به من اكسسوارات، تطورت الأمور وتجاوزت الحدود، لتصل اليوم إلى كل تفاصيل الحياة، فحتى الأكل تحول إلى موضة، والسيارة التي تركبها موضة، والبلد التي تسافر إليها موضة، والحيوان الذي لم تفكر يوماً في اقتنائه بات موضة حتمية.
أما الضحية في كل ذلك، فهو وضعك المالي الذي بات من الصعب التنبؤ به، بسبب فقدان عنصر الاستقرار، فقد أمسى كسفينة تتقاذفها الأمواج بفعل القرارات المفاجئة وغير المخطط لها ما يؤثر في المستقبل أيضاً، ويضع كثيراً من الشباب الذين ما زالوا يتلمسون خطواتهم الأولى في الحياة أمام معضلة، وهي انعدام التخطيط والنظر للمستقبل والتحسب له، وعدم السيطرة على النفس وكبح جماحها في الانصياع لرسائل من هنا وهناك، قد لا تلائمها، وإنما العقل الباطن يرى أنها ضرورية، وأن التخلف عنها، تخلف عن الحياة وعن الآخرين.
ترى هل ستمضي الأمور على هذا المنوال؟ وهل ستكبر هذه المشكلة حتى تتحول إلى فلسفة حياة لأجيالنا الحالية والقادمة؟ ولماذا لم نلتفت لها ونؤسس لها علاجاً يبدأ في مرحلة مبكرة يمثل تحصيناً ضد العبث بالإمكانات، وسوء استغلالها وتجاوز الوقائع والتخطيط للمستقبل وتوعية الشباب بأن الحياة ليست مجرد شراء فقط، وأن هناك استحقاقات أخرى عديدة منسية في ظل إدمان الشراء والحياة على حسب الموضة وتقليد الآخرين، ما ورط كثيرين في مديونيات لا طاقة لهم بها وحرمهم من فرص الانتقال لمواقع أفضل ومستويات أعلى في حياتهم، وتجربة الكثير من المجالات التي كانت ستمثل بالنسبة لهم مفترق طرق؟.
خطاب مواجهة هؤلاء حساس والتأثير فيهم يشبه جرس الإنذار الذي لا يود كثيرون سماعه ويؤثرون الهروب من صوته، وليس من المشكلة نفسها، لكن ذلك لا يعني أن نتجاوز الوضع، بل نعمل لإصلاحه في بيوتنا أولاً كخط دفاع أول ضد كل تلك التغيرات التي نظنها مشكلة صغيرة، لكنها تخفي خلفها أزمة كبيرة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"