الفاسد خائن لوطنه

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين

هناك أشكال عديدة ومتباينة لخيانة الوطن جميعنا نعلمها، ولكن هل يعتبر الفاسد في عمله ووظيفته خائناً لوطنه؟
سؤال لطالما فكرت فيه كثيراً. فالخائنون لأوطانهم لا ينحصرون في مَن يسعون إلى الانقلاب على بلدانهم وحكامهم فحسب؛ بل إن كل شخص يحمل على عاتقه مسؤولية معينة يحاول التنصّل منها، أو يستخدم صلاحياته الوظيفية والمهام الموكلة إليه لأي غرض كان خارج إطار العمل، ويضع مصالحه الشخصية فوق المصلحة العامة، أو يعبث بالمال العام، هو فاسد وخائن لوطنه.
أتذكر هنا مقولة لوالدي رحمه الله، عندما كان يحدثني عن الوطن وكيف يجب على الإنسان عندما يتولى مسؤولية، أن يكون أهلاً لها، وأن يتعامل مع كل درهم من المال العام كأنه مليون درهم من ماله الخاص، فيحرص عليه ويضعه في المكان المناسب، كما يفعل بأمواله الشخصية التي يوليها اهتماماً خاصاً وحيطة شديدة، وكيف يتعين على المرء أن يعمل في وظيفته بتفانٍ وحرص شديدين، ويتحمل مسؤولية منصبه بوعي وإخلاص.
إن الفساد هو خيانة للوطن؛ بل وخيانة دينية أيضاً، لأن كل الأديان السماوية تدعو إلى الأمانة وضرورة الحفاظ عليها، لهذا فعلى كل مسؤول أن يراعي الله في عمله ومسؤولياته، وأن يتعامل مع كل درهم من المال العام كأنه مليون درهم من ماله الخاص، فيصونه ويحافظ عليه كما يحافظ على ممتلكاته الشخصية.
ولا يتأتى ذلك كله إلا عبر تعزيز الرقابة الذاتية، وهي تفكير أو شعور داخلي يدفع أو يمنع صاحبه من قول أو فعل شيء معين، من دون الحاجة إلى أحد يذكّره بمسؤولياته أو مراقب يشرف على أفعاله وتصرفاته، فلا رقيب ولا حسيب سوى الوازع الداخلي الذي يدفع الشخص إلى الالتزام بالمعايير الأخلاقية والحفاظ على مصلحة الوطن.
من هذا المنطلق، على كل فرد منا أن يكون مسؤولاً عن نفسه وعمله، ويدرك أن الوطن هو أغلى ما يملك، وأن حفاظه على المصلحة العامة يعني سعادته وهناء عيشه أولاً وأخيراً. أما أساس الرقابة الذاتية فيبدأ من داخل المنزل، حيث يتعين علينا كآباء وأمهات، أن نربي أبناءنا على القيم السامية، وحب العلم والشغف بالمعرفة، ونوطِّن في دواخلهم مشاعر الانتماء للوطن، ونرشدهم إلى كيفية المحافظة على المال العام، ونجعلهم يدركون أن سعادة الفرد من سعادة المجتمع، ومصلحته من مصلحة الجميع.
إن تنمية الرقابة الذاتية منذ الصغر لها دور كبير في تنشئة جيل واعد يحب وطنه، ويتحمل المسؤولية بنزاهة، ويُكنّ لأمته وبلده كل الولاء والإخلاص، فلا يخون العهد ولا يُفرِّط في المصلحة العامة؛ بل يحرص على أن يكون أساس كل تقدم وإنجاز حضاري، ومثلاً يُحتذى في التفاني من أجل الوطن.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"