قطار المستقبل وقمة بغداد

00:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

وعاد العراق. عاد بعد غياب طال وامتد إلى 18 عاماً، سافر خلاله مجبراً إلى مجهول لم يعرفه تاريخه، وليس له ذكر في صفحات الحضارات المتنوعة التي خطّها أبناؤه، مجهول في بلاد عرفتها الإنسانية منذ فجر التاريخ، وكانت المهد الأول للأنبياء والمرسلين، وبين ربوعها اكتملت ملامح الحضارة الإسلامية، ومن أرضها أطلق الفلاسفة والمتصوفة وعلماء الإنسانيات نظرياتهم وكتبهم، ومنها خرجت الفصاحة الشعرية لتظل معيناً لا ينضب لكل مبدع ومتذوق وعاشق للآداب العربية.

عاد العراق بعد أن أخذه الاحتلال الأمريكي في العام 2003 إلى عوالم الفوضى والتعصب والتطرف الأعمى، ليعاد تشكيله بالفوضى والحروب والصراعات الطائفية والتفجيرات المذهبية، ولتتحول أرض الحضارات إلى مستقر للإرهاب، وليتحول عراق النفط والخصوبة والمياه العذبة والمعادن، إلى عراق الفقر والفساد والعوز والجفاف والأرض القاحلة.

عاد العراق بعد أن فرضوا عليه العزلة وحولوه إلى جثة هامدة، ولكن بإرادة أبنائه سيُبعث من جديد، ليستعيد المكان والمكانة، والتأثير والتأثر في محيطه؛ عاد يوم 28 أغسطس /آب الماضي بالقمة التي استضافتها عاصمته ليحفر هذا اليوم في التاريخ أملاً في أن يكون ما بعده مختلفاً عما قبله.

قمة بغداد للتعاون والشراكة، وفعالياتها، والكلمات التي ألقيت خلالها من عدد من قادة الدول على مسامع العالم، وبيانها الختامي، تأكيد على أن العراق ينوي نفض غبار سنوات الفوضى وبدء رحلة العودة، ليكون عنواناً للشراكة مع أشقائه وأصدقائه، وللتعاون مع جيرانه.

ليست أول قمة يستضيفها العراق، ولم ننس أنه استضاف القمة العربية عام 2012، ولكنّ هناك فرقاً بين قمة إثبات أنه لا يزال موجوداً، ولا يزال عربياً، وقمة تأكيد أنه مؤثر وفعال وينوي استعادة مكانته وقوته، وأنه يفتح قلبه لأشقائه ليعود إليهم ويعودوا إليه، متعهداً بالتسامح ونسيان أحداث السنوات العجاف والعمل على علاقات متوازنة مع الجيران، علاقات لن يقبل فيها التدخل في شؤونه ولن يسمح أن تبقى أرضه ساحة للتصارع وتصفية الحسابات.

رؤساء ومسؤولون كبار من 9 دول، بينهم دول مؤثرة في العالم وفِي الإقليم، مع دول الجوار باستثناء سوريا التي ما زالت غارقة في بحر الصراعات وما زالت مُختلَف عليها، كلهم تحدثوا بلسان ينبذ التطرف والإرهاب، وكل منهم حَلم للغد العراقي المأمول بطريقته، والبعض عبر عن سعادته بعودة عراق التأثير والتأثر، وبالانتصارات التي حققها على الجماعات الظلامية التي سعت لابتلاع أجزاء من أراضيه وأعلنت قيام دولة الظلم والبغي باسم الدين على قطعة عزيزة من أرضه، وهي الدولة التي كان وسيكون مصيرها ومصير كل المنتمين إليها الموت والاندثار والتشتت. المشاركون في القمة عبروا أيضاً عن الاستعداد لدعم عراق الغد بالخبرات والتدريبات والمشورة، لأجل بناء بلد أقوى من الذي كان، بديمقراطيته التي يتمنى محبّو هذه الدولة لها أن تنطلق بملامح جامعة لا مفرقة عبر انتخابات أكتوبر المقبل.

صبر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وتحمل الكثير من القوى المناهضة له، وتحدث دائماً بلسان عراقي لا يعرف التمييز، وواجه الكثير من التحديات، وأخيراً نجح داخلياً وخارجياً ونجح معه شريكه في المسؤولية الرئيس برهم صالح، والانتخابات ستُجرى في الموعد المحدد، ولن تقاطعها أي من القوى العراقية، وستتم مراقبتها دولياً لضمان النزاهة والشفافية، وستشكل نتائجها ملامح العراق الجديد، الذي نأمله متقبلاً لكل ما تفرزه الانتخابات ومؤمناً لقواعد لعبة الديمقراطية ورافضاً لأي محاولات خارجية للعبث به وبأمنه وباستقراره. وخارجياً نجح الكاظمي في إعادة العراق صانعاً للأحداث ومستضيفاً للأشقاء ومرحباً بأن يستعيد دوره ويشارك في إطفاء حرائق المنطقة بعد أن كان الأرض التي تشتعل عليها.

قمة بغداد، لم تنعكس إيجابياً على العراق فقط، بل كانت الفرصة لخفض توترات وطيّ صفحات الخلافات وتحقيق تقاربات يمكن أن يتم البناء عليها لأجل مستقبل أفضل للمنطقة يخرجها من أزمات بين الحكومات وألقت بظلالها على الشعوب.

قطار مستقبل المنطقة انطلق من بغداد، والقمة مجرد خطوة في طريق طويل يحتاج إلى خطوات وقرارات واتفاقيات، ويحتاج إلى كثير من الثقة المتبادلة واليقين، حتى يسلك القطار طريقه سالماً وحاملاً الأمان والازدهار للجميع، لأنه إذا تعثر وتعرقل فسوف يسقط منه الكثيرون، وقد تسقط المنطقة بكاملها.

[email protected] Gmail.com

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"