مراجعات 5 سبتمبر 1981

00:55 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبدالله السناوي

كان الجو السياسي ملبداً بالغيوم، الأعصاب مشدودة والقرارات أفلتت حساباتها عن كل قيد.

في مساء 5 سبتمبر/ أيلول 1981، قبل أربعين سنة بالضبط، تابع المصريون على شاشات التلفزيون الرئيس «أنور السادات» وهو يعلن ما أطلقت عليه الصحف الرسمية صباح اليوم التالي: «ثورة 5 سبتمبر» و«ثورة العمل الداخلي» و«الحرب على الفتنة»!

لم تتسق التوصيفات مع القرارات، فقد أودع للتوّ في المعتقلات أكثر من 1500 شخصية عامة من كبار السياسيين والبرلمانيين والمثقفين والكُتاب والصحفيين ورجال الدين مسلمين ومسيحيين دون أسباب مفهومة، أو يمكن تقبلها واستيعابها. لكل اسم ضمته حملة الاعتقالات، بشيوخه وشبابه، دوره ووزنه وتاريخه.

بعضهم اقترب من «السادات» قبل أن تفترق الطرق مثل الأستاذ «محمد حسنين هيكل»، ووزير الإعلام الأسبق «محمد عبدالسلام الزيات»، ووزير الري «عبدالعظيم أبو العطا» الذي رفض الهرولة إلى الحزب الوطني ومات سجيناً.

هناك من كان على الجانب الآخر في أزمة 15 مايو 1971، كوزير الإعلام «محمد فائق»، الذي أدخل السجن لعشر سنوات، وما أن خرج حتى أعيد إليه مرة ثانية.

وبعضهم لعبوا أدواراً جوهرية قبل وبعد ثورة «يوليو» مثل «فؤاد باشا سراج الدين» زعيم حزب «الوفد»، و«فتحي رضوان» صاحب التاريخ الوطني قبل ثورة «يوليو» وبعدها، و«عبدالعزيز الشوربجي» الذي جلجل صوته بنقابة المحامين باسم الوطنية المصرية في أخطر لحظات التاريخ المصري المعاصر.

تمددت القائمة لكل ما له قيمة في البلد من كافة الأجيال والتيارات، كأن مصر وضعت قيد الاعتقال في لحظة انفلات أعصاب.

نقل صحفيين إلى هيئة الاستعلامات، ألغيت تراخيص إصدار صحف معارضة، والأخطر من ذلك كله إلغاء قرار رئيس الجمهورية بتعيين الأنبا «شنودة» بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وتحديد إقامته في دير وادي النطرون وتشكيل لجنة للقيام بالمهام الباباوية.

كان ذلك جنوحاً مفرطاً في استخدام السلطة. باسم الحرب على الفتنة وضع ثمانية أساقفة قيد الاعتقال وأعداد كبيرة أخرى من الرهبان والكهنة لأول مرة في التاريخ المصري منذ الفتح العربي.

المصير نفسه، لقيه رجال دين مسلمون دون اتهامات ثابتة تسوغ الإجراءات الخشنة.

أحد القرارات التي صدرت في ذلك اليوم، ولم يتسنّ لها أن تنفذ طوال سنوات طويلة تالية، رغم أن منطوقها صحيح بأي معنى دستوري حديث: «حظر استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية وحظر استخدام دور العبادة لهذا الغرض».

أفرط «السادات» نفسه في توظيف المقدس الديني لمقتضى السياسة المتغيرة، وهو صاحب تعبير: «أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية»، الذي كان داعياً للتساؤل: عما إذا كانت مصر دولة دينية أم دولة مدنية؟!

«ما هذا القرار أيها الرجل؟! تعلن ثورة في 15 مايو ثم تصفيها في 5 سبتمبر؟

تزجّ في السجن بالمصريين جميعاً من مسلمين وأقباط، رجال أحزاب ورجال فكر؟

لم يعد في ميدان الحرية إلا الانتهازيون».

كانت تلك عبارة احتجاج على اعتقالات سبتمبر أوردها «نجيب محفوظ» على لسان الجد الوفدي «محتشمي زايد» في روايته «يوم قتل الزعيم».

في كافة القراءات التي أطلت على ما جرى في مصر ما بين يومي 5 سبتمبر و6 أكتوبر 1981، فإن الأول أفضى إلى الثاني.

من تحت نيران حادث المنصة استقر في يقين الرئيس الجديد «حسني مبارك» استبعاد نهج «الصدمات الكهربائية»، التي كان يتبعها سلفه، لكنه أفرط في ذلك الخيار إلى حدود الجمود.

كما استقر في يقينه أن الأمن أساس الحكم، وتصرف على هذا الأساس بإفراط مرة ثانية، فللأمن ضروراته، لكنه إذا ما فرغ من السياسة فإنه يفضي إلى هز قواعد القبول العام، أساس كل شرعية.

أثناء حركة الحوادث العاصفة لم يحاول نائب الرئيس أن يبدي تحفظاً واحداً على الإجراءات التي يوشك أن يتخذها «السادات»، فقد دأب أن ينفذ حرفياً ما يصدر إليه من تعليمات بلا حوار أو نقاش.

على مدى ثلاثة عقود في الحكم بدا متأثراً بخبرته كنائب للرئيس، التي أكدت أن صفة «الإداري» مكنته من البقاء في السلطة العليا، بينما خرج منها منافسه القوي «منصور حسن»، الأقرب إلى الرئيس، حين بدا أنه متحفظ على بعض قراراته وتوجهاته خاصة اعتقالات سبتمبر، التي أفضت أجواؤها وتداعياتها إلى وضع كلمة النهاية على عصر كامل.

فيما بعد المنصة أثبت النائب كفاءة لم تكن متوقعة في السيطرة على الموقف مجهضاً ما جرى في أسيوط من أعمال عنف مروعة استهدفت مديرية أمنها، كما نجح بالإفراج عن المعتقلين السياسيين واستقبال رموزهم في القصر الجمهوري وعودة رأس الكنيسة إلى مهامه في تأكيد شرعية القبول العام برئاسته وخفض التوترات الطائفية التي أطلت برأسها.

كانت تلك مراجعة صحيحة في توقيتها، غير أنها لم تأخذ مداها، سدت الطرق أمامها بالجمود الطويل، لا الحياة العامة صححت معادلاتها، ولا الفتن الطائفية أجهضت أسبابها، ولا مصر تحولت إلى دولة مدنية تستحقها.

بعد أربعين سنة على حوادث سبتمبر تحتاج مصر إلى قراءة متأملة في أسبابها وتداعياتها والدروس التي يتوجب استخلاصها حتى يمكن التقدم للمستقبل بثقة واطمئنان وحرية.

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"