حروب أمريكا

00:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

أحمد مصطفى

بغض النظر عن المبالغات الفجة في ما يكتب ويقال باللغة العربية وهو في أغلبه دعاية مغرضة بدأت الأسئلة بشكل بحثي وأكاديمي في الولايات المتحدة حول سؤال: «لماذا لا نكسب حروبنا؟». ليس السؤال بجديد، وهو مطروح في الدراسات الأكاديمية وفي مراكز البحوث منذ سنوات طويلة، ولطالما تناوله قادة عسكريون متقاعدون وباحثون أكاديميون ومفكرون في محاضرات وكتب منشورة، وغير ذلك من القنوات.

بالطبع هناك أيضاً تناول سياسي في الولايات المتحدة، خاصة من قبل جمهوريين يريدون النيل من الإدارة الديمقراطية الحالية، لكن الجدل العلمي والأكاديمي ما زال في بدايته، وربما هذه المرة لا يتوقف عند ما سبق وانتهت إليه جهود مماثلة في العقود السابقة للإجابة عن السؤال المتكرر: لماذا لم تعد حروب أمريكا تنتهي بانتصارها؟.

في منتصف مدة رئاسته، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب: «عندما كنت في المدرسة، كان الكل يقول في تلك الأيام إننا لم نخسر حرباً أبداً. أما الآن فالكل يقول إننا لم نعد نكسب حرباً على الإطلاق». كان ترامب يتحدث في لقاء مع حكام الولايات في نهاية أغسطس 2018، ونشرت وسائل الإعلام كلامه. ومع أن كلام ترامب يأتي في خانة الخطاب السياسي في الأساس، خاصة مع ما عرف عنه من أنه «ينطق بما يرد على ذهنه مباشرة»، إلا أنه عكس تفكيراً سائداً في أمريكا حول حروبها ربما منذ الحرب العالمية الثانية في 1945. لن تجد أوروبياً يجادل كثيراً في حقيقة أن المشاركة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية كانت العامل الحاسم في انتصار دول الحلفاء على دول المحور.

منذ الحرب العالمية الثانية، دخلت أمريكا خمس حروب يمكنها تسميتها كذلك: كوريا، وفيتنام، وحرب الخليج، وأفغانستان، والعراق. وباستثناء حرب الخليج في 1991، لم تحقق أمريكا «انتصاراً» واضحاً في أي من الحروب الأخرى. لا يعني ذلك أنها هزمت؛ بل إن تحقيق الهدف النهائي لم يكن كاملاً باستثناء إخراج العراق من الكويت في 1991. ذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة، ومنذ نهاية الحرب الباردة وبعدما أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم، لم تدخل أياً من تلك الحروب وحدها؛ بل مع حلفاء لها.

ففي الحرب الكورية، ما زالت شبه الجزيرة الكورية مقسمة، وفي فيتنام لم تتحقق الأهداف الأمريكية بالقضاء على الشيوعيين. أما بعد الحرب نهاية الحرب الباردة، فإن أغلب تلك الحروب كان هدفها النهائي «القضاء على الإرهاب»، وهو ما لم يتحقق أيضاً.

في حوار له مع «فوكس» عام 2016، قال البروفيسور دومينيك تييرني، الذي نشر عدة كتب عن حروب أمريكا، إن سبب طرح التساؤل هو «أننا أسرى تلك النظرة للحرب على أنها مباراة كرة قدم أمريكية كبيرة (سوبر باول) يلتقي الفريقان على أرض الملعب، وكل منهما يرتدي زياً بلون مختلف عن الآخر، ويحرز كل منهما أهدافاً ومن تكون نقاطه أكثر من الآخر في نهاية المباراة يصبح منتصراً، وبعد ذلك يغادر الجميع الملعب إلى حال سبيلهم.. إنما الحرب ليست كذلك».

إذاً الجدل حول ذلك التساؤل في أمريكا مرده جزئياً إلى هذه النظرة التي وصفها تييرني. وذلك لا ينطبق على الجمهور العادي، أو السياسيين؛ بل ينسحب أيضاً على بعض المفكرين الاستراتيجيين. في كتابه عام 1982، يحكي العقيد هاري سمرز حواراً جانبياً دار بينه وبين العقيد تو قائد جيش الشمال الفيتنامي خلال محادثات نهاية الحرب والانسحاب الأمريكي من فيتنام. يحكي سمرز أنه قال لتو: «إنكم لم تهزمونا على أرض المعركة أبداً»، ورد تو بعدما فكر برهة: «هذا لا يهم». وفي كتابه المعنون: «عن الاستراتيجية: تحليل نقدي لحرب فيتنام» الذي ألفه بعد أكثر من عقد على نهاية الحرب، يقول العقيد سمرز، إنه أدرك مغزى رد العقيد تو في ما بعد. كان ذلك طبعاً بعدما تقاعد هاري سمرز، وأصبح كاتباً ومحاضراً متخصصاً في حرب فيتنام.

وبانتظار ما سيخرج علينا من دراسات وأبحاث وأوراق أكاديمية وكتب عن ذلك السؤال المطروح الآن أمريكياً: لماذا لا نكسب حروبنا؟ يمكن القول بابتسار إن ذلك يعود إلى أمرين: الأول هو ما ذكره البروفيسور دومينيك بييرني عن النظرة الأمريكية للحرب، والثاني هو أن أمريكا لم تعد تخوض حروباً ضد جيوش نظامية، وإنما ضد جماعات ومسلحين وميليشيات.

[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"