قارّة الانقلابات

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

يرسخ الانقلاب الذي أطاح رئيس غينيا-كوناكري ألفا كوندي وحكومته، ظاهرة التمرد العسكري على السلطات الشرعية التي تلازم القارة الإفريقية منذ ستة عقود. ولم يمنع تقليد معظم دول القارة الأنظمة الديمقراطية من حدوث انقلابات مفاجئة، تعود أسباب أغلبها إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة والفساد المنظم، والأحقاد الموروثة عن العهود السابقة.

انقلاب غينيا لن يكون الأخير في هذا المساق فهو الثالث خلال هذا العام بعد مالي وتشاد، وخلال 60 عاماً شهدت القارة الإفريقية أكثر من 200 انقلاب، ناهيك عن عشرات المحاولات الفاشلة التي أفضت إلى حروب أهلية طاحنة، فكل هذه الانقلابات تنتهي بنفس التعهدات، فترة انتقالية فإعداد دستور فإجراء انتخابات، فعود على بدء، فبعد أن يحكم المنقلب سيطرته على زمام الدولة ينسى تعهداته، ويبدأ في صناعة الخصوم، وتخصيب بيئة الغضب خصوصاً بين جنرالات الجيوش الذين يمثلون في الأغلب جيلاً جديداً من العسكريين ويختلفون بالطبع عن رفاق الرئيس من قدامى الانقلابيين. فهذا الرئيس كثيراً ما يلجأ إلى تمديد فترات حكمه، ويجعل من السلطة «ملكاً عضوضاً» لأسرته وأقربائه، كما يعمل على استبعاد الجيش، وتهميش دوره في العمل الوطني، وهو ما يثير حفيظة المعارضين، ولا يكون أمامهم غير التحرك لإطاحة النظام أو تشكيل تمرد مسلح تكون مخلفاته مدمرة، تؤدي إلى مآسٍ إنسانية وجرائم حرب وارتهان لأطراف خارجية.

الأسباب التي تجعل من الانقلابات ظاهرة حية ونامية في إفريقيا لا تتعلق بالخلافات على السلطة فحسب؛ بل في جوهرها تتعلق بضعف اقتصادات الدول وانتشار الفقر والبيئة الأمنية المضطربة وانتشار السلاح وتهريبه وغياب الحوكمة الرشيدة وتدهور التعليم، إضافة إلى عدم احترام المواثيق الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، وكل هذه العوامل مجتمعة تمنع دوام الاستقرار، وتفاقم العجز عن بناء مؤسسات الدولة الراسخة. وواقع الحال، يشير إلى أن أغلب الدول الإفريقية ما تزال بعيدة جداً عن تحقيق هذه المعايير، وربما تلزمها عشرات السنين الأخرى لبلوغ درجات أرقى من الأداء السياسي.

ما تعيشه أغلب الدول الإفريقية من تخلف وارتهان لأزمات مزمنة، تعود جذورها إلى العهود الأولى للاستقلال عن الاستعمار الغربي في ستينات القرن الماضي، وهناك أمثلة في الكونغو-كينشاسا وأوغندا وبوركينا فاسو وتشاد وليبيريا ورواندا وغيرها، شهدت منذ سنواتها الأولى حروباً أهلية طحنت ملايين الناس ومليارات طائلة من الموارد الاقتصادية، وبعض هذه الأزمات ما يزال عالقاً إلى اليوم، بسبب التدخل الأجنبي، ورفض المستعمرين السابقين التفريط فيما يعدونها مصالح أبدية يهون في سبيلها كل شيء بما في ذلك دماء الأبرياء ومصادرة مستقبل شعوب بأكملها وتركها رهينة لنزاعات لا تتوقف.

ربما ستكون دول إفريقية عديدة على مواعيد مع انقلابات جديدة في الأسابيع والأشهر المقبلة، وسيلعب التدهور الاجتماعي والسياسي وغياب الضغوط الإقليمية والدولية دوراً في إذكائها، فالوضع العام مأساوي بسبب تأثيرات الجائحة الصحية. وحين يضيق الأفق وتعجز الأدوات السلمية والديمقراطية عن التغيير، لا يبقي غير السلاح يهندس التلازم المزمن بين أزمات إفريقيا وانقلاباتها العسكرية.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"