عادي

الرئيس التونسي في مواجهة 4 تحديات صعبة

00:42 صباحا
قراءة 4 دقائق
قيس سعيّد في لقطة جماعية مع وفد الكونجرس الأمريكي

د. محمد عز العرب*

تواجه تونس تحديات ضاغطة في مرحلة ما بعد تمديد الرئيس قيس سعيّد في 24 أغسطس/ آب الماضي، القرارات الاستثنائية «حتى إشعار آخر»، والتي تتمثل في موقعه في السلطة في ظل دعوات متصاعدة لتبيان خريطة طريق للمرحلة الانتقالية الحالية، وتفكيك شبكات الفساد المالي التي تضم وزراء ونواب برلمان ورجال أعمال ومسؤولين كباراً في الجهاز الإداري، وتهديدات الإرهاب في المناطق الجنوبية على الحدود مع ليبيا، خاصة من جانب المرتزقة والمجموعات المسلحة الأجنبية.

يتعلق التحدي الأول بموقع الرئيس سعيّد في السلطة: إذ إن هناك تساؤلاً كبيراً يتعلق بمستقبل الديمقراطية الناشئة في البلاد، بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها استناداً إلى نص المادة «80» من الدستور التونسي، لاسيما في ظل عدم تشكيل حكومة تضطلع بإدارة ملفات اقتصادية واجتماعية وصحية ضاغطة على الرأي العام، وتجميد مؤقت لدور مجلس نواب الشعب التونسي، وتعيين الرئيس سعيّد نفسه في منصب «المدعي العام للبلاد»، وعدم تشكيل محكمة دستورية بعد، على نحو يؤدي إلى فراغ حكومي ونيابي من ناحية، وغياب لخريطة طريق محددة بفترة زمنية من ناحية ثالثة، الأمر الذي يعكس غموضاً سياسياً.

وفي هذا السياق، تتصاعد دعوات الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية للإسراع بتكليف رئيس حكومة جديد، وإجراء استفتاء على ملامح المرحلة المقبلة، على نحو ما طالب به نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، في 3 سبتمبر/ أيلول الجاري، شريطة أن يكون مسبوقاً باستفتاء حول كيفية تمريره والصيغة التي سيكون عليها. غير أن ذلك غير متفق عليه حتى الآن، في الوقت الذي يوجه الرئيس سعيّد رسائل إلى الخارج بأن ما قام به ليس انقلاباً، وإنما كان في إطار الدستور ويستند إليه وهدفه حماية الدولة من خطر داهم، على نحو ما جاء خلال لقاء الرئيس التونسي مع وفد من مجلس الشيوخ الأمريكي بالعاصمة التونسية في 5 سبتمبر/ أيلول الجاري.

شبكات الفساد

في حين يتصل التحدي الثاني بتفكيك شبكات الفساد المالي: حيث تم رفع الحصانة عن عدد من نواب البرلمان، وفتح الملفات القضائية لبعض الوزراء السابقين، إضافة إلى إيقاف عدد من رجال الأعمال المتهمين بالفساد المالي والتهريب الضريبي، وصدور مذكرة اعتقال بشأن المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب «قلب تونس»، نبيل القروي، وتم القبض عليه في الجزائر في 30 أغسطس/ آب الماضي، ومن المتوقع تسليمه إلى تونس خلال المرحلة المقبلة. فضلاً عن الكشف عن شبكات أخرى للفساد «الكبير» لتوافر بيئة داخلية حاضنة سمحت بتغلغل جماعات مصالح مستفيدة من انتشاره في مستويات مختلفة. وهنا، تجدر الإشارة إلى تصريح الرئيس قيس سعيد بتاريخ 27 أغسطس/ آب الماضي حيث قال «إن أي مسؤول تورط في عمليات فساد سيحاسب».

الذئاب المنفردة

أما التحدي الثالث فيتمثل في التهديدات الإرهابية في الجنوب: فالأمن الداخلي التونسي يواجه تهديداً متصاعداً في مناطق الأطراف، وبشكل خاص في الجنوب، على الحدود التونسية الليبية. ولعل ما يوضح ذلك تبادل الاتهامات بشأن تصدير الإرهاب، وفي هذا السياق، قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة موجهاً خطابه إلى الليبيين بتاريخ 27 أغسطس/ آب الماضي، إن الإرهاب قادم إلى ليبيا من الخارج، وإنه قام بإرسال وفد إلى تونس لتوضيح الموقف الليبي والتفاهم مع الحكومة التونسية، مؤكداً أن دخول 10 آلاف إرهابي إلى ليبيا، جاؤوا خصوصاً من الدول المجاورة، في إشارة إلى تونس. وقد أثارت هذه التصريحات استياء السلطات الرسمية التونسية.

علاوة على ذلك، فإن هناك عناصر إرهابية تم إيفادها من تشاد والنيجر ومالي، وغيرها من الدول الإفريقية إلى ليبيا، لاسيما في ظل حدود رخوة غير مسيطر عليها، بما يجعل من المتعذر إلصاق تهمة جلب الإرهاب ونشر الفوضى في ليبيا عبر بوابة تونس. كما أن العناصر الإرهابية التونسية لا يمكنها الاستيطان في ليبيا إلا في ظل حاضنة لها في مناطق مختلفة، مثل درنة وسرت وصبراتة. ولعل ذلك يلقي بأعباء مضاعفة على أجهزة الأمن والاستخبارات في تونس لتأمين الحدود منعاً لدخول عناصر متحفزة لهز الاستقرار التونسي، على نحو ما عكسته محاولة اغتيال الرئيس سعيد.

النخب البديلة

ويعد التحدي الرابع والأصعب، هو غياب النخبة المدنية في مواجهة حضور حركة النهضة. فعلى الرغم من تآكل رأس المال الاجتماعي للنهضة بعد الأزمات التي تسببت بها للبلاد، بحكم أنها تمثل الأغلبية مع الحزام البرلماني الداعم لها وتأييد بقاء حكومات «هشة» بعينها وتوتر علاقتها مع الرئيس سعيد، ما أوصل للبلاد إلى حالة من الشلل السياسي والخلل الاقتصادي والتأزم الصحي.

النظام الهجين

خلاصة القول، أن الخروج من الوضعية الحالية للبلاد تقتضي ترجمة فعلية لتوجه «التأني» الذي حكم الرئيس قيس سعيد، خلال الفترة الماضية، بالإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة، ومدى الجدية في إجراء تعديل دستوري وتغيير النظام الانتخابي بما يقود إلى تبلور نظام سياسي مستقر.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"