تحكيم القيم في الحياة العامة

00:33 صباحا
قراءة دقيقتين

د. علي محمد فخرو

لم يكن المقصود من الحديث عن أزمة القيم على مستوى العالم وعلى مستوى الوطن العربي، وعن الخلفية التاريخية والإسلامية للكثير من القيم العربية السائدة، الصالح منها والطالح، أن يكون مراجعة أكاديمية، لقد كان الهدف هو تعميق الوعي السياسي لدى أوساط الشباب والشابات العرب من خلال تأكيد أن الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي لا تحكمها موازين القيم الإنسانية الكبرى والقيم الدينية الروحية قابلة للشطط وللاستعمال الانتهازي؛ بل ولتدمير بيئة الإنسان الطبيعية والحضارية، كما نراها الآن ماثلة أمامنا.

ذلك أن الميكافيلية في السياسة، التي رفعت شعار الغاية التي تبرر كل واسطة، وتبعتها الليبرالية الكلاسيكية التي طرحت ما اعتبرته إشكالية التعارض بين حرية الفرد والتزاماته القيمية، وتبعتها مؤخراً النيولبرالية العولمية التي أعطت الأولوية لمتطلبات السوق فوق كل اعتبار آخر، بما فيها أهمية تحكيم قيمة العدالة، وهي كبرى الفضائل التي عرفتها البشرية، وتتبعها الآن بخطى حثيثة حركة ما بعد الحداثة التي انخرطت في عبادة صنم جديد، صنم الفردية الأنانية والحرية المطلقة... ذلك أن كل ذلك، مشفوعاً بما أوردناه في مقال الأسبوع الماضي من أطروحات تشويه وتدمير الكثير من قيم الثوابت العربية في مجالات الفكر القومي العروبي الوحدوي، كل ذلك يعمل في الليل والنهار على توجيه الوسط الشبابي العربي إلى مزالق خطرة في ساحات نضالهم التغييري اليومي.

نحن إذن نريد تذكير الكل بأنه مثلما هناك مدارس تهميشية لمكانة القيم في حياة الإنسان، وعلى الأخص في حياته السياسية والاقتصادية، فان هناك أيضاً مدارس أخرى. وهناك أصوات ضميرية كثيرة تنادي بعكس ذلك.

دعنا نأخذ مثالاً واحداً من الساحة السياسية الأمريكية. فعندما سئل الرئيس كيندي، وهو الكاثوليكي الديانة، إن كان ستكون لعقيدته الدينية أية تأثيرات على القرارات العامة التي سيأخذها، أجاب بالنفي التام وأنه سيحتكم فقط إلى ضميره الإنساني. ولكن عندما طرح السؤال نفسه على الرئيس أوباما كان جوابه مختلفاً؛ إذ أكد أن السياسة التي لا تتأثر بالقيم الدينية هي سياسة قابلة للتشوه. جوابان مختلفان في ساحة سياسية واحدة.

إذن فالقيم لا تطلب لذاتها وفقط على المستوى الفردي. إنها تطلب أيضاً على المستوى الجمعي لارتباطها الشديد بنوعية ونقاء الحياة الجمعية في كل الحقول.

وبالطبع هناك قيم متميزة مفصلية تعلو على كل القيم من مثل العدالة؛ ذلك أنها وقيمة الحرية والكرامة الإنسانية شغلت بصورة كبيرة وعميقة كل الديانات والمدارس الفلسفية والفكر السياسي والاقتصادي. وكان ذلك الاهتمام طبيعياً لحسم موضوع ادعاء البعض بأن العدالة لا تتعايش مع الحرية. فإذا حسم موضوع تعريف معنى الحياة الطيبة فإنه سيظهر أنه لا تعارض بين القيمتين، وإنما سيثبت بأن قيمة العدالة يجب أن تحكم كل قيمة أخرى من مثل الحرية والديمقراطية والمساواة والتعايش السلمي والتسامح والعطاء، وغيرها كثير.

إذ عندما يطرح شباب وشابات الأمة شعاراتهم السياسية والاجتماعية والمعيشية عليهم عدم نسيان القيم الكبرى التي يجب أن تحكم كل تلك الشعارات والمطالب وأساليب تفعيلها، وعلى الأخص رأس الفضائل: فضيلة العدالة.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"