تداعيات التوتر بين الصين والهند

00:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

إن التوتر المستمر بين الهند والصين الناجم عن النزاع الحدودي والمنافسة الجيوسياسية والاقتصادية بين البلدين، بات يؤثر بشكل واضح في الاستقرار الإقليمي، ويعطي في السياق نفسه مبررات كافية للقوى الدولية المتنافسة من أجل استثمار هذا النزاع لمصلحتها، بخاصة وأن الولايات المتحدة تملك مصلحة مباشرة في دعم الهند، وفي العمل على توريط الصين في صراع طويل الأمد مع جارتها الكبرى، لوقف مسار تحوّلها إلى القوة العظمى الأولى في العالم، ولعرقلة مساعيها الرامية لاستكمال وحدتها الترابية من خلال استعادة تايوان التي تشكل رهاناً كبيراً في معادلة صراع القوة بين جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية.

وتشير التفاصيل المتعلقة بالعلاقات التاريخية بين الصين والهند إلى أن هذا النزاع الحدودي يعود إلى فترة الاستعمار البريطاني لشبه الجزيرة الهندية، وبدأت أولى تجلياته مباشرة بعد استقلال الهند، وتطور سنة 1960 بعد سيطرة الصين على بعض المواقع الحدودية بين البلدين الجارين، ثم تفاقم النزاع ليتحول إلى حرب سنة 1962، بخاصة بداية من 10 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، عندما أخذت الاشتباكات المسلحة طابعاً أكثر شمولية في منطقة لاداغ التي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى لبلدين، لكونها تمثل البوابة الرئيسية لحركة التجارة مع دول آسيا الوسطى، كما تنظر إليها الهند بوصفها حصناً قوياً ضد المخاطر التي يمكن أن تأتيها من الشمال.

ومن الواضح بالنسبة إلى المتابعين لملف هذا النزاع، أن محاولة فهم جذوره تتطلب قراءة معمّقة لبداية وصول البريطانيين إلى لاداغ سنة 1820 وإلى غاية مغادرتهم الهند سنة 1947، حيث لم تتمكن بريطانيا من القيام برسم واضح لحدود المنطقة في مرحلة كانت تعاني فيها الإمبراطورية الصينية ضعفاً شديداً، وبالتالي فإن الاستعمار البريطاني يعتبر في نظر الكثيرين مسؤولاً بشكل كبير عن هذا النزاع بعد فشله في إتمام رسم الحدود تاركاً وراءه جرحاً مفتوحاً ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة، والعالم برمته، بالنظر إلى حجم القوة البشرية والاقتصادية والعسكرية للصين والهند، على حد سواء.

ويمكن القول إن التطور الذي بدأت تشهده العلاقات بين الهند والولايات المتحدة الأمريكية في سياق سعي هذه الأخيرة إلى محاصرة الصين في محيطها الجيوسياسي الإقليمي، من شأنه، بحسب المراقبين، أن يجرّ واشنطن إلى الانخراط في النزاع الحدودي المعقد بين الصين والهند والذي لم يستطع الاستعمار البريطاني في أوج قوته أن يحسمه، على الرغم من أنه كان يمتلك العديد من أوراق الضغط التي لم يعد أي طرف يمتلكها في المرحلة الراهنة التي تتميّز بتداخل غير مسبوق لمصالح القوى الكبرى في منطقة شرق آسيا التي أصبحت تمثل شريان الاقتصاد والتجارة على المستوى الدولي.

وعلاوة على العناصر التي أتينا على ذكرها بشأن هذا النزاع، فإن الصراع التقليدي بين الهند وباكستان يمثل عاملاً آخر من العوامل التي يمكنها أن تُسهم في خلط الأوراق في هذه المنطقة، وبخاصة بعد التحالف الذي بدأ يتشكل في أفغانستان بين الصين وباكستان منذ إعلان واشنطن عن قرارها الانسحاب من أفغانستان، حيث تنظر نيودلهي بكثير من القلق إلى هذا التحالف بين جاريها اللدودين، لاسيما بعد أن أعلنت كل من بكين وإسلام آباد عن رغبتهما المشتركة في تكثيف تعاونهما في أفغانستان، الأمر الذي يدعم التحليلات التي تذهب إلى أن أفغانستان ستصبح مسرحاً لحروب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.

ونستطيع أن نخلص في الأخير إلى أن النزاع والتنافس بين الهند والصين مرشح، خلال الأعوام المقبلة، لأن يأخذ أبعاداً أكثر خطورة تندرج في سياق المواجهة المحتدمة في أكثر من منطقة من العالم بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبين الحليفين الروسي والصيني. وعليه فإنه إذا كانت واشنطن قد حسمت قرارها بدعم الهند في مواجهتها مع الصين، فإن روسيا لا تخفي توجسها من الآثار السلبية لهذا النزاع بين حليفيها التقليديين بآسيا، في توازن القوى بين الشرق والغرب.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"