الحكم الديمقراطي والحاكم الديمقراطي

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.ناجي صادق شراب

لعل من أهم الإشكاليات في دراسة النظم السياسية وأنظمة الحكم، جدلية العلاقة بين الحكم والحاكم، وبين الحاكم المستبد ونظام الحكم القائم، وهل الحاكم هو الحكم الديمقراطي والرشيد؟ أوليس الحاكم نتاج بيئة النظام السياسي، ويجسّد منظومة القيم والثقافة التي تحكم السلوك السياسي للحاكم والمحكوم؟

إن نظام الحكم هو نتاج لمحددات بيئته السياسية بكل مكوناتها من ثقافه ودين وتاريخ وجغرافيا وسكان وتطور اقتصادي وبيئة اجتماعية، وأيضاً نتاج البيئة الخارجية. وهنا الإشكالية الأخرى في الحكم، وهي العلاقة بين البيئة الداخلية والبيئة الخارجية. ففي حالة ضعف البيئة الداخلية يكون تأثير البيئة الخارجية أقوى، وهذا التأثير له شكل إيجابي في تصحيح مسارات الحكم وحماية منظومة القيم والحقوق، وشكل سلبي قد يتمثل في دعم نظام الحكم القائم وتسلطه واستبداده. وبالعودة للإشكالية الأولى، هل يمكن أن يكون الحكم ديمقراطياً والحاكم غير ديمقراطي؟ وهل الإنسان يعد ديمقراطياً بطبيعته؟

بشكل عام الإنسان يميل للتفرد والتسلط حتى في النظم الأكثر ديمقراطية، لكن الفارق هنا أن نظام الحكم الديمقراطي وهو عملية تطور سياسية طويلة لم تصل إليها الشعوب إلا بعد تضحيات ونضالات كبيرة ضد أنظمة الحكم الإقطاعية والإمبراطورية، وهي نتاج عمليات تنوير ومحاربة للحكم الاستبدادي الذي حوّل المواطنين إلى مجرد رعية، وهذا التطور هو الذي سيطر على أوروبا، لينتهي باستقرار نظام الحكم الديمقراطي الذي أرسى مبادئه وقيمه وركائزه ما كتبه فلاسفة التنوير والعقد الاجتماعي، وليترجم نظام الحكم الديمقراطي «حكم الشعب وللشعب وبواسطة الشعب» من خلال بنية مؤسساتية قوية تحل محل الشخصانية والفردانية، وإقامة منظومة قيم وحقوق وحريات مدنية، وآليات عبر الانتخابات الدورية وتداول السلطة والمشاركة السياسية، وبنية قوية للمجتمع المدني التي أسست لحالة من التوازن بين الدولة التي تمثل الغول في مفهوم هوبز، وسلطة المجتمع المدني لتمنع أي تفرد في السلطة.

الحاكم هو نتاج هذه العملية، مثله مثل أي مواطن آخر، لكن هذا لا يمنع كما رأينا في أعرق الديمقراطيات التي تمثلها الولايات المتحدة محاولة ترامب الخروج على مقومات النظام، لكنه فشل جرّاء قوة النظام الديمقراطي.هذا النموذج نجد منه أمثلة كثيرة في ألمانيا الذي جسّده حكم المستشارة ميركل.

النموذج الآخر يفسر لنا فشل حركات التحول العربية، وفشل الحركات الإسلامية مثل «الإخوان» في التعامل مع الانتخابات كآلية للوصول للحكم الأبدي في مفهومهم على أساس حكم بلا معارضة؛ إذ وليس الهدف بالنسبة لهم ترسيخ نظام الحكم الديمقراطي، إنما التسلط والهيمنة، ما أدى إلى التخلص منهم، كما رأينا في تونس ومصر ودول كثيرة.

وهناك النموذج الآخر الذي يمكن القول إنه استفاد من هذه التحولات والأخطاء ببناء وتبني نظام الحكم الرشيد، وهذا النظام نرى صورته في دولة الإمارات، لأن أساس أي حكم ديمقراطي هو الحكم الرشيد بتوسيع المشاركة السياسية، وزيادة درجة التمكين السياسي والاجتماعي، وخصوصاً للمرأة. وتوسيع نطاق الحقوق المدنية، ورفع درجة استجابة النظام السياسي للمطالب المتنامية التي تفرزها بيئة النظام السياسي، وفي مثل هذه النظم تزداد درجة القبول والشرعية بالحكم القائم؛ إذ إن الحاكم هنا يكون أكثر استجابة لبيئة الحكم القائمة. وهذا ما يفسر نجاح هذه النظم.

هذه هي الصور المختلفة التي توضح لنا إشكاليات العلاقة بين نظام الحكم القائم والحاكم، وخلاصتها أن نظام الحكم وبيئة الحكم وهي في حالة تغير هي التي تفرض وتحدد صورة الحاكم. وفي النهاية فإن الحكم أساسه الشعب، والحكم من الشعب للشعب، وبقدر العمل بهذه القاعدة، يمكن نجاح الحاكم والحكم.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"