في ضرورة الكتلة الحرجة السورية

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

خلال السنوات الماضية، حدثت تحوّلات عديدة في المشهد السوري، وقد راهنت أطراف محلية وإقليمية ودولية على أن تكون التحوّلات في مصلحتها، بحيث تتمكن من فرض رؤيتها لمستقبل الحكم في سوريا، وبدقة أكبر تحديد دفة المصالح. وقد استخدمت معظم الأطراف المتصارعة أدواتها المادية والأيديولوجية في تقديم وترجيح سرديتها عن الصراع، لكن في المحصلة، فإن كل التحوّلات التي حدثت لم تؤد إلى تبلور حركة حقيقية نحو حلّ سياسي، كانت قد اقترحت الأمم المتحدة صيغته في نص قرارها 2254 غير الملزم، وهو دعم مسار عملية سياسية وصولاً إلى إنشاء «حكومة ذات مصداقية، غير طائفية، وتشمل الجميع».

قرار الأمم المتحدة، صدر في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015، وبعد مضي حوالي ستة أعوام من صدوره، إلا أن شيئاً من هذا القرار لم ينفذ، وهو الأمر الذي يبدو طبيعياً قياساً إلى موازين القوى المنخرطة في الميدان السوري، فجميع الأطراف الداخلية والخارجية لديها رؤية صفرية للحل، وهو ما تبرهنه الوقائع. وسط هذه الحالة من الاستنقاع والمراوحة في المكان، بالإضافة إلى تثبيت خطوط التماس بين سلطات الأمر الواقع، فإن الحقل السياسي العام يبدو بلا أي فاعلية تذكر، على الرغم من وجود عدد كبير من القوى السياسية التاريخية، والقوى حديثة العهد التي تأسّست بعد عام 2011.

ضعف القوى السياسية السورية له أسباب عديدة، من بينها بالطبع العامل الذاتي، لكن العوامل الموضوعية بالغة التأثير في جعل أداء القوى السياسية باهتاً، وهذه الحالة من ضعف الفعل، أو حتى الشلل، ليست سمة خاصة بالقوى داخل سوريا، وإنما أيضاً سمة الأحزاب والتيارات الموجودة خارج سوريا، فقد نشأت ظروف واقعية ومعيشية صعبة، دفعت بالقسم الأعظم من السوريين إلى خارج دائرة الفعل، ففي داخل البلاد، وبغض النظر عن سلطة الأمر الواقع، فإن الأوضاع المعيشية اليومية أصبحت لا تطاق، وتوضح التقارير الأممية مستوى الفاقة التي يعيشها السوريون، إذ بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر أكثر من 80% من السكان.

في خارج سوريا، فرضت أوضاع اللجوء بتعقيداتها ومشكلاتها، وضرورات الاندماج، نفسها على اللاجئين السوريين، وعلى الرغم من كون أوضاعهم أفضل نسبياً وجزئياً من أوضاع أبناء وبنات بلدهم في الداخل، إلا أنهم ما زالوا في طور لا يسمح لهم بأن يكونوا قاعدة لفعل سياسي وازن، وبالتالي فإن الأحزاب والقوى السياسية في الشتات، تفتقر إلى الحامل الاجتماعي الموضوعي لنضالها، وهو الأمر ذاته ينطبق على القوى السياسية داخل سوريا، وبالتالي فإن المسألة السورية، تبدو بشكل من الأشكال، وفي الجانب التحليلي والعملي، قضية نخب.

غياب الحامل الاجتماعي للقوى السياسية، يجعل من الضروري بمكان البحث عن آليات وطرق وأدوات لإحداث نوع من التثقيل للحامل السياسي السوري في مواجهة مشاريع القوى المنخرطة في الصراع، فالقوى المحلية، وبغض النظر عن تموضعها، أصبحت رهن قوى الخارج، فقد استهلك الصراع الأعم الغالب من ممكناتها الذاتية، كما أن قوى الخارج ليست معنية بدفع الوضع في سوريا نحو حلّ سياسي، خصوصاً إذا كان الحل السياسي قائماً على الحفاظ على وحدة الكيان السوري، وبالتالي فإنه ليس من المنطقي التعويل على إرادات ونوايا القوى التي استثمرت في الصراع.

في الحالة السورية، لا يمكن الحديث ضمن الظروف الراهنة عن ضرورة وإمكانية نشوء كتلة تاريخية، بالمعنى الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937)، والتي يمكن أن تنشأ من تحالف الطبقة العاملة مع الفئات الشعبية، لكن يمكن التفكير بضروة نشوء كتلة حرجة، بحيث تضم قوى وأحزاباً وفاعلين مستقلين من أوساط اقتصادية وحقوقية وثقافية، وفقاً لأسس ومعايير مبنية على قراءة التاريخ السوري منذ تأسيس سوريا كدولة في عام 1920، وبشكل خاص قراءة تجربة الجمهورية الثانية (1963-2011)، وأن يكون القاسم المشترك الأكبر بين المنضوين في هذا الاتجاه هو جملة من المبادئ العامة، في مقدمتها ضرورة أن يكون الهدف الاستراتيجي هو القطع مع الاستبدادين السياسي والديني.

إن كسر حالة الاستعصاء الراهن، لا يمكن أن يحدث وفقاً لموازين القوى الراهنة، كما أن الفعل السياسي بدلالة الخارج، من حيث اشتقاق الشرعية والدعم، كان وما زال رهاناً خاطئاً، والخروج من حالة العطالة إلى حالة الفعل تتطلّب آليات عمل جديدة، تظهر إمكانية بناء وزن نوعي محترم للفاعلين الوطنيين، بدلالات تعلو على الهويّات ما دون الوطنية، وبعيداً عن منطق المحاصصات، ما يجعل منها نقطة جذب وتلاقي، ومرجعية ذات شأن، لتكون قادرة على منح مصطلح «الحل السياسي» معناه الوطني والديمقراطي.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/4zem4f6a