الانقلابات في إفريقيا

00:41 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

الإدانة الشديدة وعدم الاعتراف وتعليق العضوية، هي الإجراءات العقابية المعتادة التي يفرضها الاتحاد الإفريقي في مواجهة التحركات الانقلابية في دوله الأعضاء، وهي تحركات تلاقي درجات مختلفة من النجاح أو الفشل للسيطرة على شبح الانقلابات العسكرية في دول القارة.

وتمثل إجراءات الاتحاد الإفريقي العقابية، جرس إنذار للمجموعات الانقلابية وتتوعدها بالعزلة ما لم تقدم هذه المجموعات منذ وقت مبكر تعهدات واضحة بالعودة إلى المسار الدستوري، لكنها تنطوي أيضاً على اعتراف ضمني بالأسباب الموضوعية التي حتمت تدخل المؤسسة العسكرية للإطاحة بالنظام القائم في البلد الإفريقي المعني وتعويضه بنظام عسكري أو نظام هجين عسكري ومدني.

ويقدم تحرك العسكريين في غينيا مؤخراً نموذجاً تقليدياً لانتقالات السلطة في إفريقيا التي تتخذ أشكالاً دائرية معتادة. فالمجموعات الحاكمة تجنح إلى الانحراف ويتحول بعضها بشكل تدريجي إلى أنظمة قمعية تتشبث بالسلطة وببقائها في الحكم بشكل غير عقلاني وأحياناً جنوني، ما يطرح تهديدات جدية على استقرار وتماسك الدولة وعلى السلام الاجتماعي لشعبها.

وهي تهديدات توقظ مخاوف قادة المؤسسة العسكرية وأحياناً أطماعهم وتدفعهم للتدخل في محاولة لمنع انهيار الدولة.

كما أن التدخل العسكري الذي نفترض أن يكون مؤقتاً يتجه في بعض الأحيان للوقوع في فخ لعبة السلطة وحب البقاء والاستمرار في الحكم إلى ما لا نهاية، ما يجعل الأمور تدور في حلقة مفرغة من التجاذبات. هذه الدورات التقليدية من تداول السلطة جعلت إفريقيا تفوز بلقب قارة الانقلابات بلا منازع.

ومنذ أن بدأت دول القارة الإفريقية نيل استقلالها، تميزت حكوماتها بالهشاشة وضعف التجربة في الحكم والالتزام بالقيم الديمقراطية باستثناء حالات نادرة الأمر الذي كان يدفع باستمرار إلى تدخل المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيماً وخبرة. وضعف الحكومات المدنية هو واقع موضوعي، إذ إن الدول الاستعمارية خلفت وراءها مؤسسات عسكرية محترفة وشديدة الاعتداد بنفسها في مقابل مؤسسات سياسية ضعيفة ومنقسمة.

ويقول الباحثان الأمريكيان جوناثان باول وكلايتون ثين: إن القارة الإفريقية شهدت أكثر من 200 انقلاب عسكري منذ أواخر الخمسينات وحلت بوركينا فاسو في المركز الأول، بينما كان انقلاب زيمبابوي الذي أطاح بالرئيس السابق روبرت موغابي الأكثر شعبية، وتقول إحصاءات الباحثين الأمريكيين إن وتيرة الانقلابات تراجعت ابتداءً من العام 2000. لكن الانقلابين الأخيرين اللذين أطاحا برئيس مالي أبوبكر كيتا ورئيس غينيا ألفا كوندي أعادا إلى الأذهان مظاهر الدورة المعتادة لانتقال السلطة في إفريقيا، والقلق على مصير التنمية والاستقرار الداخلي والإقليمي.

وتتشابه الطريقة التي حكم بها رئيس مالي المخلوع كيتا ومصيره إلى حد التطابق مع طريقة نظيره الغيني كوندي ومصيره النهائي.

وقد تعهد العسكريون في كلا البلدين بالعودة سريعاً إلى النظام الدستوري بعد القضاء على «الدكتاتوريين الفاسدين».

أما في السودان الذي تحرك عسكريوه ضد الجنرال المخلوع عمر البشير، وأعلنوا انحيازهم للثورة الشعبية، فقد توصلوا إلى صيغة للشراكة المدنية العسكرية لحكم الفترة الانتقالية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y753uw6v