أمريكا.. انتهى الدرس

00:15 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. يوسف الحسن

كشفت لحظة أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول قبل عشرين عاماً، عن أنماط غريبة في العلاقات الدولية، وسلوكات فجة، وغطرسة وأنانية ولا قانونية في تفاعلات الدول وتعاملاتها.

ويمكن القول، إن إرهاصات هذه السلوكات والسياسات، قد ظهرت مبكرة في حرب فيتنام، لكنها صارت صارخة قبل لحظة أحداث سبتمبر الإرهابية، بنحو عشرين عاماّ، حينما بدأ الإعداد لبناء نظام عالمي جديد، وشرق أوسط جديد، وتوفير بيئة دولية صراعية شديدة الفوضى، تسمح بتمرير سياسات هيمنة فجّة، وتعرقل جهوداً سلمية لتسوية الصراعات، وتستغل أزمات الآخرين لخلق فرص ومصالح ضيقة، وتستخدم «وكلاء» في مناطق الأزمات، وتعزز إشعال الخلافات، وترفع منسوب حدّتها، بغضّ النظر عن أوجاع البشر، وأكلاف الحروب وويلاتها.

إنها وقائع عاشتها شعوب هذا الإقليم الكبير، الممتد إلى ما وراء الهضبة الإيرانية باتجاه آسيا، وصولاً إلى أفغانستان، ويجاور شعوباً ودولاً في إفريقيا، ساحلها وقرنها وما وراء صحرائها الكبرى.

نتذكر وقائع الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، والتي وصفها الإعلام الأمريكي «بالحرب المنسية»، واستمرت ثماني سنوات، وولدت حرباً أخرى بعد ثلاث سنوات، فسّخت الجسم العربي وأعطبت روحه، وأثمرت مرارات ممتدة، وسراباً سَمّوه «سلاماً».

وفي الثمانينات أيضاً، أشعل أصحاب السلوكات والأنماط المشينة في العلاقات الدولية، حروب (المجاهدين الأفغان) ضد النظام الأفغاني الشيوعي والسوفييت في أفغانستان، مستخدمين (مقاولين) من تنظيمات إسلاموية سياسية. وفي مكان آخر من الإقليم، كان جيش «إسرائيل»النووية، يحتل أول عاصمة عربية بيروت، وتدمر طائراته الحربية، مفاعلاً عراقياً (تموز) قيد الإنشاء. وفي الوقت ذاته كانت ايران، تستعد لاستئناف برنامجها النووي الذي بدأته في زمن الشاه، بمساعدة من (فرنسا وألمانيا وأمريكا).

نتذكر أيضاً، وقائع نهج التهور والغطرسة والسياسات الهوجاء، في العلاقات الدولية، اثر سقوط الاتحاد السوفييتي، وتوقف الحرب الباردة، وتنامي مناخ النزعات الشعبوية، والأيدولوجيات المتطرفة، واليمين المتطرف الجديد في أمريكا، وغلبة المصالح الانتهازية والمرتبطة بالإضرار بمصالح الآخر، وتراجع إلزامية القرارات الدولية، والقانون الدولي.

وفي لحظة أحداث سبتمبر، وهي اعتداءات إرهابية بكل المقاييس، انتعش العنف، وتوالد تطرّف مؤدلج جديد، وقوى عنيفة غير دولاتية، آباؤها ورعاتها كثر، وعلى رأسهم أصحاب السلوكات والسياسات المشينة، وشنّت إدارة بوش الابن، حربين ظالمتين وغير مبرّرتين على أفغانستان والعراق، كانت وما زالت، لهما أكلاف مادية باهظة، وضحايا بشرية وإنسانية هائلة. ودمار وأخطار جيوستراتيجية هائلة، إن للغازي المحتل، أو للدولة المحتلة ومحيطها الإقليمي.

خسرت أمريكا حرب فيتنام، وخسرت أرواح نحو 58 ألف أمريكي، خلال عشرين عاماً من الصراع في شرق آسيا، وانسحبت مهزومة في نهاية المطاف، وها هو المشهد يتكرر في أفغانستان. إنه مكر التاريخ وسخريّته في آن، وخيبة أمل تتكرر، ومن أسف، لا أحد يرغب في سماع مقولة المسرحية المصرية الشهيرة: (انتهى الدرس يا غبي)، ولعلهم في انتظار مشهد ثالث مماثل في العراق، حينما ينتهي عدّ السنين إلى العشرين عاماً للتدخل الأمريكي في العراق، وتدمير الدولة وبنيتها وجيشها، وتسليمه إلى إيران، على طبق من فضة. نعم.. هي معادلة معقدة، فتجاهل أمريكا صعب، ومصادقتها أكثر صعوبة، كما أن عداواتها خطر، لكن الخطر الأكبر اليوم هو ألا يقرأ حلفاء أو شركاء أمريكا، أبعاد ومعاني الأداء الأمريكي الفوضوي في البيئة الدولية. وبخاصة في الشرق الأوسط، ونموذجه ساطع في أفغانستان، فضلاً عن سلوكات انتهازية أخرى، في مراكز صراعية عدة في الإقليم، كسوريا وليبيا والعراق وإيران، على سبيل المثال.

إن الانكفاء الأمريكي، ولو جزئياً، عن الإقليم، قد يكون بركة للإقليم وجواره، إذا ما أحسنت دوله ملء الفراغ بنفسها وبقدراتها الذاتية، وإدارته بحكمة وعقلانية، وبغطاء من شعوبها، ومن خلال مفهوم الأمن الجماعي، والتنمية المشتركة لا المتنافسة.

وستظل في أمريكا قوى يمينية، تسعى لمواصلة تنفيذ سيناريوهات الفوضى والانتهازية، واتباع سلوكات (الإغارة) المشينة في البيئة الدولية، وتبنّي نظرية (تلزيم) لاعبين: دولاً تبحث عن أدوار في فراغات السياسة الدولية، أو تنظيمات إسلاموية سياسية، فشلت في القبض منفردة على سلطات مطلقة في بلادها، أو ميليشيات وأقليات مغرر بها، وتعيش أوهاماً دولاتية زائفة، غير قابلة للحياة.

من المبكر التوصل إلى معرفة تأثيرات الإخفاق أو الصدمة، التي تمر بها أمريكا في الوقت الراهن - إدارة ومؤسسات ورأي عام- وهل ستقوم بمراجعات أساسية لنظرتها لدورها في العالم؟ أم سيدفعها هذا الفشل إلى إظهار «هيبتها» في أمكنة أخرى، ربما في الشرق الأوسط، وربما مع الصين؟ وهل ستفتح هذه التطورات أبواباً أمام تحولات إقليمية بنيوية، أو توفر مناخات تحفز اللاعبين الإقليميين على التحوط إزاء تداعيات هذه التحولات، أو حتى إعادة التموضع وإجراء مراجعات جذرية، أم مواصلة (الرقص مع الذئاب)؟

نتذكر اليوم مقولة شهيرة للرئيس المصري الأسبق المرحوم حسني مبارك: (المتغطي بأمريكا عريان).
...آخر الكلام

..إن أفضل غطاء هو غطاء الشعب، وقوة الدولة الذاتية وحكمتها السياسية المفعمة بالأخلاق والقيم الإنسانية.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/fv6re3s