أمريكا وثقافة الأعاصير

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاطف الغمري

يعرف الأمريكيون بما يُسمى «ثقافة الأعاصير». هذا التعبير نشأ مع تكرار اجتياح الأعاصير المدمرة والعنيفة لمناطق ساحلية، فتتهدم بيوت ويتشرد سكانها. ويتجسّد تعبير «ثقافة الأعاصير» في اعتياد هؤلاء السكان على تكرارها سنوياً تقريباً، فاختاروا الثبات على العيش في نفس أماكنهم، مع تغيير نمط المعيشة؛ وذلك ببناء بيوت خشبية ليست مكلفة، تحل محل التي دمرها الإعصار، ثم العودة إلى السكن في نفس المناطق، بعد عودة الحياة الطبيعية.

هذه الثقافة دعت عدداً من المفكرين والكتّاب لتشبيهها بسلوكات ثابتة للسياسة الخارجية، تعيد تطبيق نفس السياسات على الرغم من فشلها في السابق. من أمثلة ذلك الثبات حرفياً على التعامل مع دول في مناطق العالم بمقاييس أطلقوا عليها: القيم الأمريكية، يريدون تطبيقها بنفس الشكل على هذه البلاد، والتي تشمل: إعادة بناء الدول - وتغيير الأنظمة - والديمقراطية - وحقوق الإنسان، حتى لو اختلفت ثقافة، وتقاليد، وطبيعة المجتمعات، ما بين دولة وأخرى من هذه الدول.

وذلك على الرغم مما لحق بهذه المبادئ - أو القيم حسب التعريف الأمريكي - داخل الولايات المتحدة ذاتها من ضربات تمثلت في الشكوك من قطاعات واسعة في حقيقة الديمقراطية الأمريكية، وفي العنصرية المنافية لحقوق الإنسان، خاصة بعد انتخابات الرئاسة الأخيرة، إلى أن زادت الفجوة اتساعاً عقب الهجوم على الكونجرس في يناير/ كانون الثاني الماضي.

ثم تفرعت الشكوك إلى طرحها تساؤلات عن تفاصيل يفترض أنها مرتبطة أصلاً بالنظام الديمقراطي، كونه يعمل لمصلحة الشعب، في مختلف تفاصيل حياته. وهو ما تحدثت عنه الصحف الأمريكية عقب انتشار وباء كورونا، بأن الدولة تقاعست في قضية صحة المجتمع، بالتوقف عن بناء المستشفيات والمراكز الصحية، ولجوئها إلى تسريح أعداد من العاملين في المجال الصحي.

وتعليقاً على ذلك نشر الكاتب فيليب ستيفنس تحليلاً قال فيه: إن قدرات الدولة على إنجاح سياستها في الخارج، تتطلب أولاً إرادة سياسية، وإن الإرادة السياسية تبدأ من متانة وقوة الداخل.

والواقع أن الداخل الأمريكي يشهد الآن تمزقاً مجتمعياً، وغياب المفهوم الأساسي لإنجاح السياسات، وهو التوافق بين قطاعات الرأي العام، وأيضاً بين الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري).

ثم إن الشكوك طالت النخبة ذاتها، وهي التي يسمح لها النظام السياسي بدور مؤثر في صناعة السياسة الخارجية، كونها مرجعاً للفكر، الذي تنهل منه المؤسسات السياسية، بما فيها البيت الأبيض نفسه.

وكانت الانتقادات قد طالت النخبة في الفترة الأخيرة، والتركيز على ثباتها في تطبيق سياسات بثت فشلها من قبل، ودون أن تحدث تغييراً ينقلها إلى سياسات مختلفة تتواءم مع الظروف المتغيرة. وهو ما خلق لدى الرأي العام شعوراً بأنه يدفع ثمناً باهظاً، لتصرفات تكون نتائجها كارثية، من أرواح أبنائه، ومن إنفاق للتريليونات من الدولارات.

ووصل الأمر أمام هذا الثبات على الفشل المتكرر إلى ارتفاع أصوات لمن كانوا من النخبة، ثم جرى استبعادهم من المشاركة في صنع السياسات، ومن العمل بوزارة الخارجية. وهو ما عبروا عنه في مقالات ببعض الصحف الأمريكية، وأرجعوا ذلك إلى أن لهم رؤية معرفية مستقلة، تنبني على الدراسة والمعرفة بأوضاع الدول الأخرى، وبقراءة تاريخها. ولم يقتصر الأمر على استبعادهم من العمل الدبلوماسي؛ بل وعدم الاستفادة من خبراتهم المتراكمة.

الصورة على هذا النحو تستوعب مظاهر من التفكير السياسي الأمريكي، وهو ما بدأ يثير في السنوات الأخيرة قلق الخبراء والمختصين بالسياسة الخارجية، من إعادة تطبيق نفس السياسات التي كان قد ثبت فشلها. وهم يرجعون ذلك إلى نقص المعرفة لدى المسؤولين عن هذه السياسات، بأوضاع وتقاليد وتاريخ المجتمعات الأخرى، إضافة إلى نقص متابعتهم لما لحق بها مؤخراً من تغييرات، كانت تستوجب إعادة النظر فيما يتبعونه من سياسات.

ولا أنسى التعبير الذي استخدمته منذ سنوات قليلة، مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة، من أن سياسة أمريكا الخارجية صارت مثل لوحة تشكيلية ثابتة الخطوط والألوان، يعاد استخدامها كل فترة في تكرار لنفس الصورة القديمة.

ذلك كله يرسم صورة عامة لظاهرة الثبات على نفس نهج التفكير في أداء السياسة الخارجية، وهو ما دفع عدداً من المختصين بعلوم الأعاصير، لتشبيهها بما أصبح يعرف بثقافة الأعاصير.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/88ms8a23