الإنسانية غاية وليسـت وســـيلة

00:22 صباحا
قراءة دقيقتين

باتت كلمة الإنسانية من المفردات المتداولة على نطاق واسع، وأصبحنا نراها ماثلة في كل زاوية وفي وسط كل جملة، ومع هذا أعتقد أن مفهومها قد يغيب عن البعض، أو أن هناك من ينظر لها من زاوية ضيقة أو محدودة، دون النظر لمفهومها ومعناها العام الشامل. فضلاً عن هذا، أعتقد أنه يوجد أيضاً تسطيح لما تحمله من معانٍ وقيم، أو المرور على مثل هذا العمق مروراً سريعاً دون الالتفات لما تضمه من معانٍ. عندما ترى وتسمع شخصاً ما يردد هذه المفردة وسط كل كلماته، ولكن في اللحظة نفسها تجده لا يتقيد بمفهومها ودلالاتها في حياته بشكل عام، هنا تكون مفارقة.
 الحال نفسها عندما يقول أحدهم إنه يهتم بالإنسانية، ولكنه في اللحظة نفسها يقسو على الآخرين أو يظلمهم، هنا تصاب بصدمة وحيرة، فهو لا يتوقف عن استحضار الإنسانية في كلماته، ثم تراه لا يتمتع بأي حس إنساني مع الآخرين. الحال نفسها تنطبق على من يكذب أو يخالف القانون أو يقلل من المنجزات البشرية، وفي اللحظة نفسها يدعي الإنسانية.
 يجب أن نعلم أن هناك هوة بين المثل والقيم والمبادئ وبين الادعاء، يمكن لأي واحد أن يقول بأنه مع المبادئ ومع القيم ومع الإنسانية بصفة عامة، لكن ماذا عن الواقع وما يعيشه فعلاً؟ الحقيقة أن هناك بعض الحاجات الإنسانية لا تتطلب الحديث أو الكلام وكأنها شعارات براقة ورنانة، وإنما وظيفتها وحاجتها التطبيق الفعلي العملي على أرض الواقع. ما هي الفائدة لكلمات عن المثالية والإيثار والتجرد من الأنانية، والواقع ينم عن حالة معاكسة؟ أو ما هي الفائدة لرفع شعارات الصدق والوفاء والوضوح والحال مغايرة تماماً لهذه الشعارات؟ أو ما الذي يمكن أن يستفيد الآخرون منه عند سماع حديث طويل عن المثل والقيم بينما لا توجد لها ترجمة في واقعهم أو لا تمسهم بشكل واضح أو يعيشون بها؟
 المفكر والفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري، الذي قدم للمكتبة العربية 30 كتاباً في قضايا الفكر البشري ومن بينها وأهمها كتابه «نقد العقل العربي»، له كلمة في هذا السياق جاء فيها: «اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك، وفي أي شخص آخر كغاية وليس كوسيلة».
أن نتمتع بالإنسانية هو غاية للحياة المثلى والقويمة، وطريق أمثل وصحيح نحو السعادة والتسامح والتقبل، وليس وسيلة نحقق بواسطتها الشهرة أو المكاسب المادية أو غيرها.
[email protected]
 www.shaimaalmarzooqi.com

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"