الاختفاء القسري

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبد الحسين شعبان

بعد مغادرتنا مؤتمر في القاهرة بثلاثة أيام في عام 1993 وصلنا خبر اختفاء وزير الخارجية الليبي الأسبق منصور الكيخيا الذي زاد ثقلاً في ملف المختفين قسرياً، وهو ما كنت بدأت الانشغال به منذ مطلع الثمانينات عند اختفاء د. صفاء الحافظ وصباح الدرّة وعايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي، وآخرين.

ولعلّ هذا الملف يكبر باستمرار، فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 والآلاف من عوائل المختفين قسرياً تستغيث ولكن من دون جدوى، بمن فيهم آلاف الإيزيديين والإيزيديات، وآخرون من الذين اختفوا على يد «داعش» بعد احتلاله للموصل، فضلاً عن مفارقة الصحفي توفيق التميمي الذي حاورني على كتابي «الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً»، وزميله الناشر مازن لطيف اللذان اختفيا قسرياً بُعيد هبّة تشرين عام 2019.

الاختفاء القسري «اصطلاح» تستخدمه الأمم المتحدة لوصف حالات الاختطاف والاحتجاز والاعتقال غير المعلن عنه، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية من جانب جهات مجهولة، أو غير معلومة، سواء على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص، أو جهات أو مجموعات من الأفراد تتصرّف بإذن من الدولة أو بموافقتها مع رفضها الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصيره.

وقد اعتمدت الأمم المتحدة إعلاناً في عام 1992 أطلقت عليه اسم «الإعلان العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري»، وفي عام 2006 تم اعتماد هذا الإعلان. ودخلت الاتفاقية حيّز النفاذ يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول عام 2010، بعد أن صادقت عليها 20 دولة ويبلغ عدد الدول المنضمّة إليها 64 دولة من بينها العراق، في حين أن 48 دولة وقّعت عليها ولم تصدّق.

والاتفاقية تتألف من ديباجة و45 مادة مقسّمة إلى 4 أجزاء، وتخشى بعض الدول التصديق عليها لعلاقة ذلك بالمساءلة ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، لا سيّما إذا ذهبت المسألة إلى المحاكم الدولية، سواء المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2002 أو حتى محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة والتي تختصّ بالشكاوى المدنية، وليست لها ولاية جنائية.

وتحاذر بعض الحكومات، ولا سيّما من الدول النامية والتي فيها تجاوزات وانتهاكات تتعلّق بالاختفاء القسري، من التصديق على الاتفاقية، لأن المادة 5 تعتبر الاختفاء القسري «جريمة ضدّ الإنسانية»، وتذهب المادة 6 لتحميل المسؤولية الجنائية لرئيس البلد والقائد العام للقوات المسلّحة، أو حتى أحد مرؤوسيه العاملين تحت أمرته ورقابته، فيما إذا ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية، حيث يمكن مساءلة من أصدر الأوامر أو قام بالتنفيذ أو تواطأ أو اشترك في ارتكاب جريمة تحمّله المسؤولية الجنائية، بمعنى عدم إعفاء أي شخص ارتكب جريمة الاختفاء القسري، سواء كان مدنياً أو عسكرياً.

إن الاختفاء ممارسة للتعذيب حين تقطع صلة المختطف بالعالم الخارجي، وهو تعذيب آخر للعائلة التي لا تعرف مصير رب الأسرة أو، ابنها، أو مصير الشخص المختفي، أو مكان وجوده.

وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية انضمّت إلى الاتفاقية، إلا أنها أبدت تحفّظات على بعض موادها، خصوصاً المادة 42 (الفقرة-أ-) التي تتعلّق بخلاف بين دولتين أو أكثر من الأطراف الموقّعة على الاتفاقية بشأن تطبيقها أو تفسيرها، فإذا لم يجدوا طريقة لحلّ الخلاف بالمفاوضات أو بالتحكيم فيمكن عرض القضية على محكمة العدل الدولية المختصّة بذلك.

كما أن هناك تحفّظات وردت حول المادتين 31 و 32 الخاصتين بتقديم الشكاوى الفردية أو شكاوى دولة ضدّ دولة.

ومثل هذه الشكاوى تنشأ حين تستنفد المحاكم الوطنية جميع الوسائل، ولكنها لم تتوصّل إلى حلول مرضية للأطراف المتنازعة، فيكون من حقّ الشخص التوجّه لإقامة شكاوى فردية أو من دولة على أخرى في القضاء الدولي، بهدف ملاحقة المتورّطين ومعاقبتهم إذا ثبتت إدانتهم.

وإذا ما أعلنت دولة ما انضمامها للاتفاقية فمن المفروض بعد سنتين تقديم تقرير للأمم المتحدة بتنفيذ ما ورد في الاتفاقية، ويقدّم التقرير للجنة الأمم المتحدة المعنية بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في جنيف، وهي مكوّنة من خبراء مستقلين على أساس توزيع جغرافي عادل.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي، وهو نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت. له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة والثقافة والنقد. يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان، والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب. صاحب نحو 70 كتاباً ومؤلفاً.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ynnbrju7