قمّة بوتين والأسد

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

زيارة الرئيس السوري بشار الأسد غير المعلنة إلى موسكو، ولقاؤه نظيره الروسي فلاديمير بوتين لم تكن بغرض النزهة؛ بل إنها، على ما يبدو، أتت تحت عنوان مرحلة جديدة من التنسيق بين البلدين في ضوء التطورات الإقليمية؛ بدءاً من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، إلى محاولات إحياء مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقبل ذلك العمل على إتمام سيطرة الحكومة السورية على كل أراضيها، بما فيها تلك الخاضعة لقوات أجنبية أو فلول المسلحين.

ما يعزز هذا الاستنتاج أن الرئيس السوري، ومنذ فُرضت على بلاده حرب أهلية عام 2011، أصبحت زياراته الخارجية بعدد أصابع اليد، وكانت أغلبها إلى روسيا باستثناء زيارة وحيدة إلى طهران. أما اللقاءات السابقة التي جمعته مع بوتين، فكانت عناوين لتطورات عسكرية أو سياسية، سواء بإعادة مناطق إلى سلطة الدولة، أو مبادرات للمصالحة الوطنية التي حققت الكثير من المكاسب، على الرغم من محاولات التشويش الخارجي والتعتيم الإعلامي الغربي على كل ما يتعلق بالنشاط الروسي في المنطقة. وقياساً على ما سبق، فإن نتائج القمة الجديدة ستتجلى على الميدان قريباً، خصوصاً ما يتعلق بوضع إدلب شمال غربي البلاد؛ حيث تستوطن المنطقة مجموعات مسلحة تضم عناصر سوريين ومن جنسيات أجنبية، وكذلك الوضع في الحسكة بالشمال الشرقي؛ حيث تنتشر قوات أمريكية تتعلق بها جملة من الأسئلة عن دورها وأهدافها، لا سيما بعد أن أسهمت سابقاً في هزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي، ونجحت في تسليح وتدريب قوات حماية الشعب الكردية (قسد)، وهو ما خلق لواشنطن مشكلات عدة بعضها مع أنقرة، والأخرى مع دمشق وموسكو.

سوريا اليوم ليست كما كانت قبل سنوات، حين استبدت بها تعقيدات عسكرية وسياسية في سياق ما سُمي «الربيع العربي»، الذي هدف منذ بدايته إلى تدمير الدولة الوطنية السورية، ونهب ثرواتها، وتفتيت وحدة أراضيها. ومثلما كان للجيش السوري، بصفته الدستورية، دوره الكبير في إحباط ذلك المخطط التدميري، كان للقوات الروسية دورها الحاسم في قلب المعادلة العسكرية رأساً على عقب. والمعروف عن العقيدة العسكرية الروسية أنها لا تعمد إلى إطالة أمد الصراعات الخارجية للمتاجرة والاستثمار الحربي كما يفعل الآخرون؛ بل تتدخل لتحسم، ولتحفظ ما تراه مصالح عليا لها ولحلفائها لا يمكن التنازل عنها لخصومها الدوليين.

زيارة الأسد إلى موسكو، جاءت بعد ست سنوات من الحضور العسكري الروسي في الأزمة السورية، وبعد أيام من استعادة القوات الحكومية لمنطقة «درعا البلد»، بما يمثله ذلك التطور من دلالات، وتأتي أيضاً بعد فوز الأسد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بما يجعل سلطته أمراً واقعاً، وحقيقة سياسية. ولأن نتائج مثل هذه القمم تظهر تباعاً، فإنها ستكون قطعاً في مسار استعادة دمشق لدورها في المنطقة، وقد بدأت أولى تلك المؤشرات بزيارة وفد رسمي لبناني إلى دمشق، بهدف إيصال الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر الأراضي السورية. لقد كانت تلك الزيارة، أول القطر من الغيث المنتظر، وستتبعها خطوات أخرى ومفاوضات تجري فوق الطاولات وتحتها، بهدف إعادة الاستقرار إلى المنطقة، وإنهاء حالة التشظي والانقسام التي كان ثمنها باهظاً جداً على الجميع، وعلى سوريا بالذات.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ptyh8b78