عادي

أمريكا و«الأصدقاء».. خريطة جديدة للتحالفات

01:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

كتب - المحرر السياسي:

كان للاتفاق الأمريكي مع حركة طالبان بالانسحاب من أفغانستان بعد نحو عقدين من الحرب، وقع سلبي على حلفاء الولايات المتحدة الذين انتابهم شعور بأن واشنطن أضحت لا تكترث سوى بمصالحها الخاصة، فبعد العديد من القرائن التي أظهرت أن أمريكا بدأت برفع يدها تدريجياً عن تحالفاتها الدولية، خاصة العسكرية منها، ظهر توجه جديد في الدول الأوروبية ينادي بفك الارتباط الأمني والعسكري مع واشنطن، أو على الأقل تقليل الاعتماد عليه، خصوصاً مع ميل واشنطن نحو نحو الخروج من مستنقعات الحروب الطويلة التي أضرت كثيراً بسمعتها وأنهكت اقتصادها.

أصبح نهج حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين وغيرهم، تجاه العلاقة معها متشائماً إلى حدٍ ما، خاصة بعد قرار الانسحاب من أفغانستان الذي يراه كثيرون على أنه قرار أحادي اتخذته أمريكا من دون أي اعتبار لحلفائها، حيث أشار مراقبون إلى بعض التحديات التي تواجه مستوى العلاقة عبر الأطلسي، بداية بالشعار الذي رفعه الرئيس السابق دونالد ترامب «أمريكا أولاً»، وتشكيكه في الضمانات الأمنية التي يمكن أن تقدمها واشنطن لأوروبا، وفرضه ضرورة إيجاد أرضية جديدة للتعاون الأمني بين الجانبين، وهو أمر أكدوا أنه أضر بحلف الناتو أيضاً. ورغم ذلك، يؤكد خبراء أمنيون في دول البلطيق وبولندا على أن واشنطن كانت حريصة على إرسال تطمينات في ما يتعلق بالحماية والتزاماتها تجاه الحلف.

وتتعالى حالياً أصوات تشير إلى أن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان صحيح ومبرر، ولكن طريقة التنفيذ صاحَبها الفشل الذريع، ما يعكس واقع الحال الأمريكي بصفة عامة، وفقدانها الزعامة العالمية بشكل تدريجي، كما أن فرضها عقوبات على دول كثيرة حول العالم أظهر نوعاً من العجز الذي بدأ ينخر في عظام القوة العالمية المهيمنة، إلى جانب أن سياساتها تجاه الشرق الأوسط وتجاه أوروبا أصبحت أقل تأثيراً. ومن خلال مراقبة الخط السياسي الذي انتهجته إدارات أمريكية متعاقبة، يبدو جلياً أن الولايات المتحدة بدأت تميل نحو تحقيق مصالحها فقط، حيث دأبت الحكومات الأمريكية المتعاقبة خلال العقدين الماضيين، أو أكثر بقليل، على استغلال حلفائها واستنزاف قدراتهم والتخلي عنهم في أحلك الظروف.

شكوك الحلفاء

ويبدو جلياً أن ثقة حلفاء واشنطن بزعامتها، أضحت محل شك كبير، ما سيجبر الحلفاء على مراجعة تحالفاتهم مع الجانب الأمريكي، ومنح الأولوية لتأسيس منظومات أمنية مستقلة خلافاً للتكتلات الدولية الموجودة حالياً، مثل حلف شمال الأطلسي، وتأسيس مشروع سياسي مستقل يعزز من القدرة على مواجهة التحديات من دون الاعتماد بشكل كبير على الحماية، أو الدعم الأمريكي. كما أن أزمة الثقة بالقيادة الأمريكية وصلت إلى حلفائها الكبار في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ما يؤكد أن واشنطن أصبحت الآن مطالبة بدفع ثمن قرارها الخروج من أفغانستان من دون التنسيق الكامل مع الحلفاء، أو الاهتمام بمصالحهم على أقل تقدير.

ويشير الكثير من المراقبين إلى أن مشهد الانسحاب المخزي سيرتسم في ذاكرة العالم لعقود طويلة، خاصة أن مئات الآلاف من المتعاونين الأفغان مع قوات التحالف لم يجدوا حتى الآن سبيلاً للخروج من كابول، رغم الخدمات الكبيرة التي قدموها. هذا الأمر سيحفز ظهور تحالفات دولية جديدة ستتشكل معالمها خلال السنوات المقبلة، وهي التحالفات التي ستتفادى الانصياع لدولة واحدة، بل ستكون كتلاً سياسية وعسكرية تعتمد في استمراريتها على توازن القوى والنفوذ بين أعضائها.

قلق.. وتراجع

لقد كانت اللهجة التي ظهر بها الرئيس السابق، دونالد ترامب، إبان تسلمه مقاليد الحكم، مصدر قلق كبير بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة، حيث فهم شركاء حلف الناتو أن شعار «أمريكا أولاً» يهدف إلى تحقيق المصلحة الأمريكية دون غيرها، ولكن مسؤولي الإدارة السابقة أرسلوا تطمينات إلى الأوروبيين بأن واشنطن ستلتزم بعهودها الدولية، وأكدوا على أهمية تحالفاتها في جميع أنحاء العالم، وهو ما ظهر في العديد من المواقف والأحداث، ولم تشهد العلاقة بين جانبي الأطلسي تغييرات ملحوظة بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى الرئاسة، سوى أن اعتمادية الحلفاء حول العالم على قوة واشنطن ونفوذها، بدأت بالتراجع عمّا كانت عليه قبل سنوات.

وكانت الحرب التجارية التي شنها الرئيس ترامب ضد الصين، وفرضه العديد من الرسوم على وارداتها إلى أمريكا، السبب الذي أدى إلى تخوف حلفاء الولايات المتحدة من مستقبل العلاقة المحورية بين واشنطن والحلفاء، رغم أن الإجراءات التي اتخذها ترامب كانت تخدم، بطريقة أو بأخرى، دول القارة العجوز، وأبطأت بشكل نسبي سرعة التوغل الصيني في أوروبا، إضافة إلى أنها أظهرت بشكل واضح ضرورة رسم سياسات قارية جديدة في ما يتعلق بالتجارة وحركة السلع.

وظهر توجه أوروبي جديد خلال الفترة الماضية، يشير إلى أن القادة يرون ضرورة الاعتماد بشكل أكبر على القدرات الذاتية للقارة، والتخلص تدريجياً من الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية، فبين التقلبات التي شهدها عهد ترامب، وحالة عدم اليقين التي صاحبتها، وانسحاب الرئيس بايدن من أفغانستان، تاركاً وراءه جيوش حلفائه الذين دخلوا الحرب مع أمريكا دعماً لها، يريد الأوروبيون الآن أن يتبنوا نهجاً جديداً في التعاطي مع الجانب الآخر من الأطلسي، نسبة لعدم قدرتها على استيعاب كل تلك التقلبات والرسائل المشفرة من الجانب الآخر، خاصة أن العلاقة مع الولايات المتحدة تعتبر استراتيجية ولا تقتصر على الجوانب الأمنية فقط.

ومن بين العديد من الآراء المختلفة في هذا الشأن، يبدو أن كلاً من فرنسا وألمانيا، وغيرهما، على استعداد تام لفك ارتباطها المتعاظم مع واشنطن، وكان بعض النقاد والمراقبين الأوروبيين يؤكدون أن ترامب مهّد الطريق لحلفائه للتوصل إلى مزيد من التفاهمات حيال عدد من القضايا الإقليمية.

وبعد أكثر من عقدين من الزمان على وصول الولايات المتحدة وقوات التحالف إلى منطقة الشرق الأوسط، يبدو أن المشروع الأمريكي الهادف لرسم خريطة جيوسياسية جديدة في المنطقة لم يؤتِ ثماره حتى الآن، رغم قوتها الاقتصادية وترسانتها العسكرية التي لا تضاهيها أي قوة أخرى في العالم، ولكن إعادة التاريخ لمشهد خسارتها الأخلاقية في فيتنام، دفع حلفاءها إلى مراجعة ارتباطهم معها، والتفكير في وسائل أخرى ستعيد، بلا شك، رسم معالم جديدة للخريطة السياسية عالمياً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"