عادي

إفريقيا.. السلطة والانقلابات

01:33 صباحا
قراءة 4 دقائق
قائد انقلاب غينيا الجديد

كتب - وائل بدر الدين:

يمكن القول إن إفريقيا تعد قارة الانقلابات العسكرية؛ إذ لا تكاد تمر بعض الأشهر إلا وتشهد القارة انقلاباً جديداً. وهي حتى الآن لم تتمكن من التخلص من هذه الظاهرة المتكررة التي زادت وتيرتها خلال السنوات الماضية. فعلى الرغم من العقوبات الكبيرة المحددة بواسطة الاتحاد الإفريقي من تعليق العضوية وموجات الاستنكار الدولية، يبدو أن الانقلابيين في دول إفريقيا لا يأبهون أبداً لتلك التهديدات ولا يلقون لها بالاً، فالوصول إلى السلطة بقوة السلاح هو الهدف الأسمى الذي يُعمي الأبصار عن تداعياته وآثاره السالبة. وبين هذا وذاك، تتشكل معالم جديدة في القارة الإفريقية بدعم خارجي خفي يحرك خيوط اللعبة السياسية فيها لتسبح مع تيار بعض المصالح الشخصية والخارجية.

كان الانقلاب العسكري الذي شهدته غينيا الأسبوع الماضي، آخر حلقة تُعرض ضمن سلسلة مستمرة من الانقلابات في القارة الإفريقية، فبعد أشهر قليلة من آخر انقلابين شهدتهما تشاد في إبريل/نيسان، ومالي في مايو/أيار، أطاح ضباط من القوات الخاصة في غينيا بالرئيس ألفا كوندي المنتخب ديمقراطياً في عام 2010، لينهوا بذلك أول حقبة ديمقراطية تشهدها البلاد بعد عقود من الأنظمة السلطوية التي سادت فيها. هذه الظاهرة المتنامية خلال الفترة الماضية تعود وفقاً لمراقبين وخبراء في الشأن السياسي، إلى حقبة الاستعمار التي لم تُقتلع جذورها بالكامل بعد انسحاب الدول الأوروبية منها؛ حيث خلفت وراءها العديد من المشاكل السياسية التي كانت الانقلابات العسكرية إحدى نتائجها، فالحروب الأهلية الدامية والنزاعات المسلحة كانت السمة المميزة والطريق الذي يؤدي إلى السلطة في دول لا تزال تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي الذي يرجح كفة أحد الأطراف على الآخرين. فالضعف الاقتصادي الذي تعانيه معظم دول القارة، وبيئاتها الأمنية المضطربة إلى حد كبير، وعدم احترام المواثيق الديمقراطية، كانت بين العوامل التي أدت إلى تهيئة بيئة مواتية للانقلابات العسكرية، خاصة وأن تلك الأوضاع تؤدي إلى إثارة الغضب الشعبي الذي يتخذه الانقلابيون ذريعة لما قاموا به، وهو ما يزيد الطين بلة؛ إذ أثبتت التجارب العديدة التي شهدتها القارة الإفريقية، أن الأوضاع العامة في السواد الأعظم من الدول التي تحدث فيها الانقلابات العسكرية تكون أسوأ مما كانت عليه في الحقبة السابقة لها.

لعبة الكراسي

ومن بين العوامل الأخرى التي أدت إلى تنامي ظاهرة لعبة الكراسي في إفريقيا، ضعف المؤسسات الوطنية فيها، وعدم الاهتمام بتنمية وترسيخ مفاهيم الحكم الديمقراطي لأهميته البالغة في الارتقاء نحو مصاف الدول المستقرة، والاعتمادية الكبيرة لمعظم قادتها على الحماية العسكرية، عوضاً عن الحماية الشعبية التي يوفرها المواطنون لشرعية القائد ونفوذه. فالدول التي تتبنى أنظمة ديمقراطية وحكماً رشيداً، نادراً ما تتعرض لانقلابات عسكرية؛ حيث يكون المفهوم العام فيها أن الوظيفة الوحيدة للجيش هي حماية الدولة وخوض حروبها الخارجية وحماية النظام الديمقراطي فيها، وليس الوصول إلى السلطة وممارستها على الشعوب.

ولا شك في أن الأجندة الخارجية لبعض الدول الغربية، هي من بين الأسباب التي أدت إلى تنامي موجة الانقلابات في إفريقيا، فبعض الدول الغربية ترتبط مصالحها السياسية والتجارية بشخصيات معينة في السلطة، أو شخصيات أخرى في المعارضة تقدم لها كافة أشكال الدعم للوصول إلى السلطة عن طريق شراء الذمم والرشاوى وكسب الشخصيات العسكرية البارزة التي يمكنها تنفيذ الانقلاب على أكمل وجه. يشير بعض الخبراء والمراقبين من الأوربيين أنفسهم، إلى أن بعض الأنظمة الأوروبية هي الداعم الأكبر لحركة الانقلابات في إفريقيا، فالدول التي كانت في السابق استعمارية، لا تزال ترهن بعض مصالحها بضعف أجهزة الدول الإفريقية، فيعملون على إنتاج حالة من الفوضى الخلاقة التي تمكنهم من الاستفادة إلى أقصى درجة ممكنة من تلك الأوضاع، خاصة وأنهم يرون أحقيتهم في الاستفادة من الموارد الهائلة التي تمتلكها القارة السمراء؛ حيث إن استقرار الوضع السياسي والاقتصادي فيها، يعني أن فرصة استغلال تلك الروابط التاريخية أصبحت ضئيلة للغاية.

استغلال الظروف الاقتصادية

غالباً ما تكون الانقلابات العسكرية في دولة إفريقية ترزح تحت ظروف صعبة من الفقر وسوء الأداء الاقتصادي، نذيراً لمزيد من الانقلابات فيها، وتتمثل إحدى المشاكل في أن غالبية شعوب القارة ممن يثورون ضد أحد قادتها، يعتقد كثير منهم أن العسكر هم الورثة الطبيعيون للحكم في تلك الدولة، وبالتالي فإن رؤيتهم إلى سدة الحكم أمر طبيعي في ثقافات لا تعترف إلا بقوة السلاح، لكن الواقع هو أن الجيوش هي من تحدد في المقام الأول المسار الذي ستسلكه الدولة بعد تلك الانتفاضات الشعبية. وعلى الرغم من ذلك فإن القيادة المدنية التي تستند في شرعيتها على الشعب، هي من يكون بمقدورها الارتقاء بمستوى الدولة عبر تقوية مؤسساتها وتعزيز النظام الديمقراطي فيها. كما تشير بعض الدراسات إلى أن الميول الانعزالية في شكل العلاقات السياسية بين الدول الإفريقية، تعد أحد الأسباب التي تجعل الانقلابيين مطمئنين لتنفيذ خططهم.

تشترك كافة الانقلابات العسكرية في القارة السمراء في حدوثها على أنظمة سياسية هشة وضعيفة، مدفوعة بتذمر شعبي من الأوضاع بشكل عام، إلى جانب الأزمات السياسية التي تولد من رحمها تلك الانقلابات، والخلافات السياسية المرتبطة بنتائج الانتخابات وتغيير الدساتير، أو محاولة بعض الرؤساء تمديد فتراتهم الرئاسية بما يخالف الدستور والنصوص القانونية التي تنظم هذا الشأن. لا ينتهي أمر أي انقلاب على السلطة بالاستقرار، فبعضها يشهد خلافات حادة بين الشخصيات العسكرية التي نفذت الانقلاب في المقام الأول، تؤدي في الغالب إلى اشتعال نزاعات دموية، أو تكون بمثابة الشرارة الأولى لحروب أهلية تأكل الأخضر واليابس، خاصة أن مسألة الانتماء العرقي أو القبلي لا تزال سائدة في أنحاء كثيرة من القارة الإفريقية.

إجمالاً، يظهر التاريخ أن الفترات التي تلي غالبية الانقلابات في إفريقيا، تكون أسوأ مما كانت عليه، وأن عدد من القادة غالباً ما يطلقون وعوداً زائفة حول تسليم السلطة إلى قيادة مدنية منتخبة وإجراء إصلاحات هيكلية ومحاربة الفاسدين، لكن في أغلب الأحيان تؤول الاوضاع إلى مزيد من السلطوية ضمن المجموعة التي كان هدفها الرئيسي تولي مقاليد السلطة.

3
إفريقيا بثياب عسكرية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"