السيكولوجيا السياسية في أمريكا اللاتينية

22:36 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
2
كلوديا زونيغا، ويلسون لوبيز، وجوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.
* كلوديا زونيغا أستاذة علم النفس في جامعة تشيلي في سانتياغو (تشيلي). تركز أبحاثها الأساسية على الهويات الاجتماعية وعلاقتها بالتعبئة الاجتماعية والإنصاف في التعليم العالي. وهي شريك مؤسس وشغلت منصب رئيس الجمعية العلمية لعلم النفس في تشيلي.

* ويلسون لوبيز أستاذ علم النفس في بوغوتا( كولومبيا). تشمل اهتماماته البحثية النزاعات الاجتماعية والسلام والتواصل العلمي. وهو الرئيس المنتخب لقسم علم النفس السياسي في الرابطة الدولية لعلم النفس التطبيقي. كما ساعدهما في تحرير الكتاب كل من جوديث جيبونز وباتريسيو كومسيل.

لا تزال أمريكا اللاتينية منطقة مضطربة، وتشهد تغيرات اجتماعية وسياسية مهمة. يتناول هذا الكتاب السيكولوجيا السياسية التي تلقي بظلالها على الحياة اليومية لشعوب هذه المنطقة ورغبتهم بالتحرر وتكريس النظام الديمقراطي الحقيقي الذي يلبي طموحاتهم.

عندما نتحدث عن أمريكا اللاتينية، فإننا نشير من الناحية الجغرافية إلى منطقة القارة الأمريكية التي تمتد من تييرا ديل فويغو في الطرف الجنوبي لتشيلي والأرجنتين إلى ريو غراندي على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك. من حيث اللغة، أمريكا اللاتينية هي مجموعة البلدان الأمريكية التي يتم التحدث فيها بلغة لاتينية هي الإسبانية أو البرتغالية. في المجال الثقافي، تشمل أمريكا اللاتينية دولاً تختلف عن أمريكا الإنجليزية بسبب استعمارها في الغالب من قبل إسبانيا والبرتغال. ومع ذلك، فإن أمريكا اللاتينية هي كل هذا وأكثر من ذلك بكثير: إنها مساحة جغرافية وبشرية واجتماعية تتعايش فيها الوجوه المتعددة للمنطقة، أحياناً بطريقة متناغمة، وأحياناً أخرى بطريقة متضاربة؛ إنها منطقة ذات ثروة استثنائية من الموارد الطبيعية وتحتوي بعضاً من أجمل المناظر الطبيعية في العالم. يأتي الثراء الثقافي لأمريكا اللاتينية من مزيج فريد من الشعوب الأصلية والأوروبيين الذين غزوا المنطقة بداية من القرن السادس عشر، والهجرات بعد الاستقلال في أوائل القرن التاسع عشر، والعمليات المستمرة للاختلاط والتكامل. «تتنوع الحقائق في المنطقة لدرجة أن البعض يقول إنه لا توجد أمريكا لاتينية واحدة بل متعددة». كما يقول المؤلفون.

 ويشير المؤلفون إلى أنه «يمتلك الأمريكيون اللاتينيون تاريخاً مشتركاً لخمسة قرون من الاستعمار والاستغلال، وفي الوقت نفسه، يتشاركون في قدرة استثنائية على الصمود والتضامن. على الرغم من كل عجائبها الطبيعية والاجتماعية والثقافية، تتميز أمريكا اللاتينية بالتوترات السياسية، وارتفاع معدلات الفساد بين الطبقات الحاكمة، وعدم المساواة التي يتم التعبير عنها ليس فقط على صعيد الدخل والثروة، ولكن أيضاً من حيث الوصول إلى السلع العامة الأساسية مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي. إلى درجة أن مستوى عدم المساواة يرتبط بالعمر. يمتد عدم المساواة أيضاً إلى لون البشرة والعرق؛ من المرجح أن يكون الأفرو-لاتينيون والسكان الأصليون فقراء وفرصهم أقل لإتمام الدراسة أو الحصول على وظيفة رسمية».

 ويضيفون: «عند حصوله على جائزة نوبل في الأدب، قال المؤلف الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في (1982) عن أمريكا اللاتينية ما يلي: لأنهم حاولوا تغيير هذه الحالة، مات ما يقرب من مئتي ألف رجل وامرأة.. فرّ مليون شخص من تشيلي، وهي دولة ذات تقاليد في الكرم والضيافة، أي عشرة في المئة من سكانها. فقدت أوروغواي، وهي دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها مليونين ونصف المليون نسمة، والتي تعتبر نفسها أكثر دول القارة تحضراً، مواطناً واحداً من بين كل خمسة مواطنين في المنفى. منذ عام 1979، أنتجت الحرب الأهلية في السلفادور ما يقرب من لاجئ كل عشرين دقيقة».

 ويرى المؤلفون أنه «بعد أربعة عقود تقريباً، تغير واقع أمريكا اللاتينية بلا شك: حلت الديمقراطية محل الديكتاتوريات، وأفسحت الحرب الطريق للسلام، لكن الديمقراطيات في المنطقة لا تزال هشة، وهذا السلام لم يكتمل بعد. 

 الشرعية السياسية

 يقدم هذا الكتاب مجموعة من وجهات النظر، ويوضح كيف عالجت السيكولوجيا السياسية القضايا الاجتماعية الحرجة في أمريكا اللاتينية. يركز الباحثون في هذا العمل على القضايا المعقدة الناشئة عن الديناميات السياسية في المنطقة، في محاولة لتوليد ليس فقط المعرفة التخصصية الأساسية، لكن أيضاً المعرفة الموضعية ذات الصلة التي تفيد المجتمعات التي تم إنتاجها فيها. 

 يقدم الفصل الأول بعنوان «المواطنون والديمقراطية: عمليات الشرعية السياسية في ديمقراطيات أمريكا اللاتينية»، بقلم سيلفينا بروسينو ودانييلا ألونسو من الأرجنتين، وصفاً دقيقاً للسياق السياسي الذي تطورت فيه السيكولوجيا السياسية في المنطقة. يحلل الفصل دور المواطنين في عمليات شرعية الأنظمة السياسية في المنطقة، ويصف المساهمات النظرية والتجريبية لعلماء النفس السياسيين في أمريكا اللاتينية في هذا المجال. يوضح الفصل أن الدعم الصريح للديمقراطية يتعايش مع الاستياء المتزايد فيما يتعلق بعمل هذا النظام السياسي، ويؤكد أن الدافع والقدرة على التصرف سياسياً خارج المساحات التي يوفرها النظام موزعة بشكل غير متساو بين السكان ولا ترتبط فقط بدوافع أيديولوجية فردية، بل أيضاً بجوانب اجتماعية هيكلية. 

 يعالج الفصل الثاني «العواطف والاحتجاجات: مساهمات في السيكولوجيا السياسية من أبحاث أمريكا اللاتينية»، بقلم رودريغو أسون من تشيلي، الموضوع الذي تم تناوله في الفصل الأول والمكون المركزي في السيكولوجيا السياسية لأمريكا اللاتينية وهو: تحليل العمليات المرتبطة بظهور الحركات الاجتماعية والأسباب التي تدفع الأفراد للمشاركة في الاحتجاجات السياسية. يتعامل الفصل مع مشكلة المشاركة في الاحتجاجات الاجتماعية من منظور غير معروف كثيراً، مثل دراسة دور العواطف في السلوك الاحتجاجي. 

 مشكلة التحيزات واللامساواة

 يسلط الفصل الثالث «نهج سياسي نفسي تجاه عدم المساواة الاجتماعية في أمريكا اللاتينية»، بقلم ديبورا إيمهوف من الأرجنتين، الضوء على الأهمية الاجتماعية والسياسية لعدم المساواة الاجتماعية والفقر في المنطقة. يُظهر الفصل كيف تعاملت السيكولوجيا السياسية في أمريكا اللاتينية مع هذه المشكلة الاجتماعية واسعة النطاق وعلاقتها بالعمليات السياسية الدقيقة الذاتية، ما يسمح بفهم العلاقة التي يقيمها الأفراد والجماعات مع النطاق الاجتماعي السياسي.

 ينظم الفصل النتائج الرئيسية للبحوث النفسية السياسية حول اللامساواة الاجتماعية في أمريكا اللاتينية، ويقدم دراسات حول إدراك اللامساواة الاجتماعية، والعمل الموجه إلى تفعيل تبرير هذه اللامساواة.

 يشير الفصل إلى أن نشر المعلومات المتعلقة بمستويات اللامساواة في المنطقة والجوانب المختلفة التي تميز هذه الظاهرة كان كبيراً. كما يقترح ضرورة إقامة برامج التنشئة الاجتماعية السياسية التي تسمح للأفراد منذ الطفولة المبكرة بإجراء تقييم نقدي للنظام الاجتماعي الحالي، وتوفير أدوات عمل جماعي لتمكين الناس ليس فقط من التساؤل عن الوضع، ولكن أيضاً لتعديله من خلال التنظيم والمشاركة السياسية.

 يتناول الفصل الرابع «المشاركة المدنية للشباب: تحديات التماسك الاجتماعي في أمريكا اللاتينية»، بقلم بولا لوينجو كاناكري من تشيلي، كيف أنه يمكن للمشاركة المدنية أن تدعم التماسك الاجتماعي في منطقة تحتاج إلى مثل هذا التماسك هيكلياً. 

 يحلل الفصل دور بعض العمليات النفسية كمؤشرات على المشاركة المدنية. يركز الفصل على كيفية تعلم الشباب وممارسة مواطنتهم وكيف يمكن للمشاركة المدنية أن تدعم التماسك الاجتماعي. تستنتج مؤلفة هذا الفصل أنه من أجل تحسين الالتزام المدني والسياسي لدى الشباب، من الضروري وجود برامج تعليمية تسعى، بناءً على الأدلة التجريبية المحلية، إلى تعزيز المواطنة القادرة على تقوية التماسك الاجتماعي. على المنوال نفسه، كان أحد أهداف علم النفس السياسي في أمريكا اللاتينية هو فهم وإدانة الفصل والتمييز والتحيز تجاه الشعوب الأصلية التي تتعرض في معظم الحالات للاستبعاد الاجتماعي المستمر.

 ويركز الفصل الخامس بعنوان «التحيز ضد التشيليين الأصليين في سياق متصارع: مراجعة الأدب والتكامل النظري» بقلم كاميلا سالازار فرنانديز وخوسيه إل سايز، على التحيزات ضد «المابوتشي»، وهم أكبر أقلية من السكان الأصليين في تشيلي، يواجهون مستويات عالية من الاستبعاد الاجتماعي والفقر وينخرطون في صراع مستمر وغير متكافئ مع الدولة التشيلية وشركات الغابات. تقدم المراجعة المنهجية أدلة وفيرة على وجود تحيز واضح ضد المابوتشي، وعلى الرغم من أن التشيليين غير الأصليين يعترفون بوجود تمييز بين الأشخاص ضد المابوتشي، إلا أنهم في الوقت نفسه يدعمون العنف الذي تمارسه الشرطة ضدهم باسم الدولة. يسلط الفصل الضوء على أن التحيزات بين المجموعات في السياقات المتنازعة يمكن اعتبارها حواجز نفسية-اجتماعية تحافظ على الصراع أو تؤججه، ما يعوق التقدم نحو التعايش السلمي. ويشدد على أنه يمكن التغلب على هذه الحواجز من خلال التدخلات الموجهة لتقليل الالتزام بالانحياز للسماح للجماعات داخل المجتمع ببدء المفاوضات ومواصلتها، والتوصل إلى اتفاقات، والانخراط في المصالحة.

 السلام والأيديولوجيا والهوية الوطنية

 يوضح الفصل السادس بعنوان «سيكولوجيا السلام: النتائج والتحديات للتحول متعدد الأبعاد للممارسات الاجتماعية العنيفة»، بقلم ويلسون لوبيز لوبيز من كولومبيا، تعقيد أسباب ونتائج النزاعات المسلحة وإيجاد طرق لمواجهة التحدي المتمثل في بناء ثقافة السلام وإعادة بناء المجتمعات بعد الحرب والعنف أو حتى خلال الفترة بينهما. يستند هذا الفصل إلى حالة النزاع الكولومبي، وهو أحد أطول النزاعات المسلحة في التاريخ المعاصر، ويهدف إلى المساهمة في بناء السلام في كل من كولومبيا وأماكن أخرى، حيث كان العنف عاملاً حاسماً في حياة الفرد والجماعة. يقترح الفصل نموذجاً يسعى إلى توضيح الأبعاد المتعددة للنزاع الاجتماعي والمسلح من خلال نهج نفسي اجتماعي، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية القضائية، وغيرها. يؤكد الفصل أن التحولات الاجتماعية ضرورية للمساهمة في بناء ثقافة السلام، ولكن هذه التحولات ليست كافية إذا لم تكن مرتبطة بالتحولات الهيكلية. يتناول الفصلان التاليان مشكلة لعبت دوراً مركزياً في السيكولوجيا السياسية وهي: الأيديولوجيا.

 يبدأ الفصل السابع بعنوان «العلاقة بين الأيديولوجيا السياسية والهوية الوطنية في أمريكا اللاتينية» بقلم أوغستين إسبينوزا من بيرو، بوصف دراسة الهويات القومية في أمريكا اللاتينية، وهو موضوع وثيق الصلة بالسيكولوجيا السياسية في المنطقة منذ الثمانينيات، وذلك لفهم كيف شكل السياق الاجتماعي والسياسي المحدد في بلدان أمريكا اللاتينية الطريقة التي يطور بها مواطنوها أو يقدمون شعوراً بالانتماء إلى فئة اجتماعية مرتبطة بالدولة القومية. ويعاين الفصل طبيعة العلاقات بين الهوية الوطنية من ناحية والاستبداد اليميني وتوجه الهيمنة الاجتماعية من ناحية أخرى، وذلك عبر أخذ نماذج من 11 دولة في أمريكا اللاتينية. ويعالج الفصل الثامن بعنوان «الاتصال السياسي والإيديولوجيا» بقلم إيدالي باريتو وإيفان فيليب ميدينا أربوليدا من كولومبيا قضية الأيديولوجيا، ولكن من منظور مختلف تماماً. يقدم الفصل نتائج تجريبية لدراستين بحثيتين حول الخطب الرئاسية من خمس دول في أمريكا اللاتينية.

 يقدم الفصلان الأخيران من الكتاب بيانات تجريبية وتأملات حول موضوع شهد تطوراً مهماً في أمريكا اللاتينية وهو: دراسات الذاكرة الجماعية. يقدم الفصل التاسع تحت عنوان «الذاكرة كعمل سياسي: تأملات من تشيلي ما بعد الديكتاتورية» بقلم ماريا خوسيه رييس، دراسة حالة إثنوغرافية لإلقاء الضوء على بناء ونقل الذكريات في لا ليغوا، وهو مجتمع حضري يتميز بالمقاومة التاريخية للديكتاتورية التشيلية والمشكلات الخطيرة المستمرة مع العنف والصراع الاجتماعي. يرتكز الفصل على إحدى افتراضات السيكولوجيا السياسية لأمريكا اللاتينية وهي أن الذاكرة الاجتماعية هي ممارسة مقاومة في حد ذاتها. كما يناقش استخدامات الذاكرة في سياسات الدولة، والتي تولد تكوين ذاكرة رسمية واحدة وهوية لا تتوافق مع الهويات المتعددة والذكريات الجماعية لأفراد هذا المجتمع. يتناول الفصل العاشر «الجدال من أجل سيكولوجيا التحرير» بقلم موريسيو جابوريت من السلفادور، طبيعة سيكولوجيا التحرر، وينبّه إلى بعض إسهاماته البارزة. يقدم مثالاً بحثياً يتعامل مع الذاكرة التاريخية في السلفادور ما بعد الحرب يستكشف الأهمية النفسية والاجتماعية لذاكرة الصدمة الجماعية والدور الذي تلعبه في الصحة العقلية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
جورجيو أغامبين
1
ميغان أ.كارني
1
ستيفن فريدمان
1
ويل أديبانوي وروجرز أوروك
1
كارو بولدينغ وكلاوديو أ.هولزنر
1
جوسي هانهيماكي