في مديح الاعتدال

00:44 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

الاعتدال هو تلك المنطقة الوسطى المحمودة بيت طرفي التساهل المذموم والتطرف الخطر، وهو من الخصائص المهمة لاستقرار واستمرار الأفراد والجماعات السياسية والاجتماعية، وتميمة نجاحها في البناء والتنمية والازدهار.

فالتساهل عادة ما تكون نتائجه مأساوية على الأفراد والأمم والحكومات؛ ذلك أنه يتجاهل أساسيات البقاء ومسببات الفناء، ولا يراقب مكامن الخطر والهلاك، بينما يندفع التطرف اندفاعاً أعمى، جالباً في طريقه الكوارث المحققة، ومتسبباً في فنائه العاجل أو الآجل، ولا يترك خلفه إلا الذكريات المريرة.

ويقول الفرنسيون في أمثلتهم الذكية «إن المتطرفين هم الخاسرون». أما الاعتدال فإنه يسلك طريق الصبر والعمل الدؤوب والحذر البالغ، الأمر الذي يؤهله للبقاء لفترات طويلة، وربح جولات البناء والتعمير، وابتداع الأفكار المتجددة التي تبقى من خلفه، وتحدث تأثيرات إيجابية على أجيال وأجيال.

وبعيد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتفكك منظومته السياسية والفكرية، أطلق المفكر الأمريكي فوكوياما نظريته المثيرة للجدل المُسماة «نهاية التاريخ»؛ لكن هذه النظرية واجهت انتقادات واسعة، واضطر واضعها في نهاية الأمر إلى التراجع عن مسلماتها الكبرى التي كانت تقول إنه وبعد الانهيار التطبيقي للنظرية الشيوعية، فإن النظام الرأسمالي هو الذي سيحكم الكون حتى نهاية العالم.

وفي واقع الأمر، فإن الذي تحطم حقيقة في الإمبراطورية السوفييتية السابقة هو نهج التطرف المتمظهر في شكل النظام. لقد سقط التطرف الذي بدأ مع بداية قيام الدولة السوفييتية وحكامها القساة؛ بداية بالزعيم جوزيف ستالين الرهيب الذي أسس ودعم التطرف الدموي، واستمر النظام في مسيرة متأرجحة حتى واجه قوة الاعتدال والعقلانية التي أمسك بزمامها الرئيس السابق ميخائيل جورباتشوف، فانهار نظام العنف، وبقيت الدولة الروسية تحاول أن تشق طريقها بين الأمم.

والاعتدال هو العقلانية بعينها، وهو التعبير الأكثر فصاحة عن الرؤية المتبصرة التي تراقب الماضي وتضعه في الحسبان، وتنظر إلى المستقبل والأهداف المتوخاة من القرارات والسياسات التي يتم اتخاذها. والاعتدال هو عكس الخفة والانسياق وراء المشاعر المتأججة، فالاعتدال يحاول رؤية المكاسب والعواقب معاً، ويسعى إلى تحقيق النجاح، وتفادي الأخطار.

فالشيوعية لم تسقط والليبرالية الغربية لم تصبح هي الخيار الوحيد للإنسانية كما يقول فوكوياما.

وتقدم الصين نموذجاً للنهج المعتدل للاشتراكية البعيدة عن التطرف، والمنفتحة على التجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم. وهي لم تنفك تقدم البرهان الحي على نجاح العقلانية والاعتدال.

ومن الجانب الآخر، فقد أفرز النظام الرأسمالي الليبرالي عدداً من نماذج التطرف الكارثية التي خلّفت ذكريات مريرة في ذاكرة الإنسانية. فالحزب النازي وزعيمه هتلر كان مولوداً شرعياً لنظام الانتخابات الليبرالي الغربي، ولم يأتِ للحكم عبر مؤامرة انقلابية أو حركة تمرد مسلحة. فاليبرالية ليست معصومة عن أن تلد أنظمة حكم متطرفة، على الرغم من أنها تمثل النموذج المضاد للتطرف والمناهض للتساهل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"