عادي

الثقافة بين التأليف والإنتاج

23:48 مساء
قراءة 4 دقائق

الشارقة: علاء الدين محمود

هل من الممكن أن يصبح «الروبوت» شاعراً؟ و هل من المتخيل أن يشارك الجمهور في أمسية شعرية يلقي فيها «روبوت»، نصوصاً، أو نقبل على شراء ديوان من إنتاج حاسوب؟ وهل تمتلك تلك الآلات الأحاسيس والمشاعر التي تمكنها من تأليف القصائد؟

في الواقع تشهد التكنولوجيا تطوراً كبيراً خاصة بعد دخول ما بات يعرف بالذكاء الاصطناعي، والذي يقصد به الأجهزة والأنظمة أو «الروبوتات»، التي تحاكي الذكاء البشري لأداء المهام والتي يمكنها أن تحسن من نفسها استناداً إلى المعلومات التي تجمعها؛ حيث تتمتع تلك «الروبوتات»، بالقدرة على التفكير الفائق وتحليل البيانات، وظلت تلك هي مهمتها؛ حيث إن الهدف منها هو تعزيز القدرات والمساهمات البشرية بشكل كبير.

لكن يبدو أن العلماء يريدون لهذه الكائنات الصناعية أن تدخل في مجمل النشاط البشري بما في ذلك الأدب والإبداع، ويحلمون أن تحاكي تلك «الروبوتات» الإنسان؛ بل وأن تتجاوز تلك المهمة؛ بحيث يكون لها دورها الخاص والمستقل. وفي وقت سابق كانت شركة «جوجل»، العملاقة قد أعلنت أن عام 2019، هو الموعد الذي سيعلن عن تجاوز الروبوت قدرات ومواهب أذكى إنسان في العالم، وتعمل «جوجل»، والعديد من الشركات الأخرى، بالتعاون مع معاهد وجامعات متخصصة على تحسين مهارات اللغة الطبيعية لدى الروبوتات حتى تنتج قصصاً وروايات وغيرها من الأشكال الأدبية، عن طريق تكنولوجيا للذكاء الاصطناعي تسمى «النموذج الشبكي العصبي التكراري» وهو نفس النظام الذي تستخدمه تلك الشركات في الترجمة الآلية، والتعليقات على الصور.

أصل الحكاية

تمت تغذية تلك الآلات الصناعية بآلاف الروايات والقصص السردية؛ بحيث تقوم بإنتاج روايات رقمية شبيهة بتلك التي يكتبها الأدباء، فقامت بعض الشركات بإضافة خيار «الراوي»، ضمن قائمة المهام المنفذة بواسطة برامج الحاسوب فائقة الذكاء، وبالفعل تم إنتاج قصة رقمية بواسطة حاسوب تابع لإحدى تلك الشركات، ووصلت تلك القصة إلى مسابقة أدبية في اليابان، وعلى الرغم من أن تلك القصة لم تفز بجائزة، لكنها وصلت إلى مراحل جيدة، وذلك يشير إلى نجاح كبير قد تحقق في ذلك المسار، ومن ثم أنتجت عشرات الروايات، منها ما تمت مشاركته مع كاتب بشري، ومنها ما قام «الروبوت»، بكتابتها بصورة كاملة، وفقاً للبيانات والمعلومات التي يزود بها ذلك الروبوت أو الحاسوب الذكي، وكان «كيفين واريك»، أستاذ علم المستقبليات، قد ذكر أن أجهزة الكمبيوتر وتطبيقات الويب ستكون قادرة قريباً على مجاراة كتّاب الروايات والقصص من البشر، لكن بعض المختصين وجدوا أن الروايات التي كتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي بعضها جيد، لكنها تعاني مشكلات كثيرة متعلقة بالأدوات السردية، ويقول الروائي الياباني «ساتوشي هاسي»، وهو أحد كتاب روايات الخيال العلمي: «الروايات التي أنتجتها الآلة كانت إلى حد ما جيدة، لكن بها الكثير من العيوب مثل العجز عن وصف الشخصيات»، وذلك يشير إلى محدودية تلك الحواسيب التي لا تفعل غير أن تنفذ المعلومات التي تمت تغذيتها بها، دون أن تتجاوز ذلك الأمر، فهي لا تملك المشاعر التي يتمتع بها البشر.

مزج

يبدو أن الجدل سيستمر عن الأعمال السردية التي ينتجها الروبوت أو الحاسوب، لجهة النجاح والفشل، لكن ماذا عن الشعر؟ لماذا لم يتحقق النجاح نفسه في مجال كتابة القصائد؟ الواضح أن الشعر يختلف عن السرد في كثير من الجوانب، فعلى غرار ما تم مع الرواية، زود الباحثون الحواسيب التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي، بآلاف القصائد والتراكيب الشعرية من أجل تدريبها على إنتاج مقاطع وصور تحاكي تلك التي يقوم بتأليفها الشعراء، وحتى يتحقق ذلك الأمر بطريقة دقيقة وناجحة، زود الباحثون «الروبوت» أيضاً بالطريقة التي تمكنه من الربط بين الصور والنصوص الشعرية وأنماطها و مختلف القوافي، وكذلك طعموها بطريقة ربط الألوان والصور بالأحاسيس والاستعارات الشعرية، لكن ماذا حدث؟ لقد أنتج الحاسوب بالفعل عشرات القصائد، لكن جاءت بعض النصوص عادية، في ما كانت معظم تلك القصائد سيئة جداً؛ بل الأسوأ من ذلك أن إحدى المنصات جمعت أفضل النصوص الشعرية التي أنتجتها الآلة، ومزجتها مع نصوص من تأليف شعراء عاديين، وعرضوها على مختصين في مجال الأدب لمعرفة هل باستطاعتهم التفريق بين هذين النوعين من النصوص، وبالفعل نجح المختصون في ذلك الأمر، لتقوم ذات الشركة مرة أخرى بعرض تلك النصوص المختلطة على متذوقي الشعر العاديين للتفريق بينها، فكانت المفاجأة أنهم أيضاً استطاعوا أن يميزوا بين شعر البشر من ذلك المنتج عبر الآلة.

تشظٍّ

يرى بعض الباحثين والنقاد، أن الآلة تستعين في عملها بالخوارزميات من أجل توليد جمل ربما لا تكون لها علاقة بالجمل السابقة أو التالية لها؛ أي متناثرة ومتشظية، على الرغم من أنها سليمة من الناحية النحوية، وأحياناً تأتي تلك الجمل متسقة، لكنها ليست شاعرية، ويشير بعض النقاد إلى أن ما يصدر من تلك الآلات سواء شعراً أو سرداً يظل «إنتاجاً»، وليس «تأليفاً»؛ موضحين أن هناك فرقاً بين العمليتين على مستوى الدلالات، فالأولى تشير إلى الصناعة بكل عيوبها، فيما تشير الثانية إلى الملكة الإنسانية في الخيال والتعبير، بمعنى أن الآلة تنتج بحسب ما تغذى به في قاعدة البيانات والمعلومات، لكنها تعجز عن عملية التجاوز؛ بحيث لا تستطيع أن كتابة نصاً شعرياً متماسكاً.

يرى الكثيرون أن فشل الروبوت في كتابة الشعر يعود لاختلاف كبير بين طبيعتي السرد والشعر؛ حيث إن للأخير خصوصيته، فهو يعتمد على المجازات والأخيلة والأحاسيس المرهفة والعاطفة، والتعبير المباشر عن المشاعر الإنسانية، في ما يضع السرد تلك المشاعر داخل قصة وأحداث وبناء، وهذا يسهل محاكاته بواسطة الآلة، كما أن الروبوت يفشل كذلك في عملية الإلقاء الشعري لأن ذلك الأمر يتطلب لغة الجسد، ونبرة صوت تعلو وتنخفض بحسب الحالة النفسية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"