تعريفات الإرهاب

00:39 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

لم يكن مصطلح الإرهاب تعريفاً متفقاً عليه، وكانت الكلمة تحمل مضامين متباينة باختلاف المناطق والجماعات والحكومات التي تستخدمها. وتعرض المصطلح لتحديثات عديدة، لكنه بعد وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، استقر على معانٍ محددة تصف أفعال العنف التي تقوم بها جماعات خارجة عن القانون، تعمل على زعزعة الاستقرار عبر أعمال القتل والتدمير الممنهج الذي يستهدف المدنيين ورجال القانون والمواقع والمنشآت الحكومية والعسكرية، وأماكن العبادة والمستشفيات والمدارس وغيرها.

لقد وضعت الهجمات التي خطط لها ونفذها تنظيم القاعدة ضد برجي التجارة في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، الإطار العام لتوصيف كلمة الإرهاب وجماعاته. وأصبح تنظيم القاعدة المتمركز في أفغانستان هو المثال التطبيقي للجماعة الإرهابية النموذجية.

كان المئات من ركاب الطائرات المدنية الثلاث في مقدمة ضحايا الهجمات، وبينهم عائلات بريئة وأطفال ونساء لا ذنب لهم، وحصدت العملية الإرهابية أرواح آلاف الأشخاص من الموظفين والعمال والزائرين للبرجين، ونشرت الرعب والفزع بين ملايين الأمريكيين. فهي العملية الهجومية الثانية في التاريخ الأمريكي التي تستهدف أراضي الولايات المتحدة المحصنة بمياه المحيطات والبعيدة عن متناول الأعداء، بعد الهجوم الجوي الياباني على ميناء بيرل هاربر إبان الحرب العالمية الثانية.

وبعد امتصاص صدمة الهجمات المفاجئة التي لم تحقق أي إنجاز عسكري مهم، كان متوقعاً على نطاق واسع أن تقوم الولايات المتحدة برد انتقامي مكافئ وبالغ العنف والشدة، للقضاء على مصدر التهديد، وطمأنة مواطنيها بزوال الخطر عنهم.

وهكذا اجتاحت القوات الأمريكية أفغانستان وأسقطت دولة طالبان، وحطمت قواعد تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وقتلت أعداداً كبيرة من قياداته وعناصره وفتحت أبواب معسكر جوانتانامو للآلاف من عناصر الإرهاب. وكان العالم يتابع الهجمة الأمريكية المرتدة ويدعمها تحالف عريض من الدول الأوروبية.

قامت أمريكا بعملية تصفية ناجحة للتنظيم وقادته، لكن شهوتها العارمة للانتقام لكرامتها الجريحة، قادتها لغزو العراق تحت دعاوى مزيفة تداخلت معها أجندة ورغبات دفينة لبعض عناصر الإدارة الأمريكية المتطرفين، وتسببت هذه الخطوة في بروز تنظيمات إرهابية أشد وحشية مثل «داعش» الذي أقام دولته المزعومة في حدود سوريا والعراق، وانتشرت فروعه الدموية في ما يشبه موجة جارفة لتشمل أوروبا وإفريقيا وآسيا وأستراليا.

وبعيد الغزو الأمريكي للعراق تحدثت أصوات خافتة عن مصطلح إرهاب الدولة، وتقصد بذلك الهجوم الأمريكي غير المبرر على العراق، لكن هذه الأصوات اختفت سريعاً مع ظهور موجات الإرهاب الدموية الجديدة التي تتحرك في الظلام وتنتشر كالوباء، وتسفك دماء الأبرياء بلا رحمة.

لقد وضع تنظيما «القاعدة» و«داعش» من دون أن يقصدا ذلك، الإطار النظري لتعريف العمل الإرهابي والجماعة الإرهابية. وتعززت في ظل هجمات التنظيمين المروعة، مبادئ التعاون والوحدة العالمية لمكافحته والقضاء عليه. كما تعمقت الدراسات التي تبحث أسباب نشوئه ومرجعياته الثقافية وبيئاته الحاضنة، وفي القواعد القانونية لملاحقة ومحاكمة عناصره وقادته، وتقديمهم للعدالة وفي تجديد الوسائل الأمنية لاكتشاف مصادر تمويله واعتراضها وتجفيفها.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"