طنطاوي يترجّل رمزاً وطنياً

00:46 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

فقدت مصر أحد قادتها العسكريين الأفذاذ، المشير محمد حسين طنطاوي، بعد مسيرة حافلة قضاها في خدمة بلاده عسكرياً وضابطاً ومشيراً، فرئيساً للمجلس العسكري، الذي قاد مصر في أدق مراحلها التاريخية عقب تنحي الرئيس الراحل محمد حسني مبارك عام 2011، وستحتفظ الذاكرة بهذا الرجل في سجل من ذهب يخلد دوره مع الرموز الوطنية.

كرمت مصر طنطاوي، في حياته نظير ما قدمه من تضحيات وإخلاص وتفان، وشيعته بجنازة رسمية مهيبة تليق بالأبطال، انطلقت من المسجد الذي يحمل اسمه في القاهرة، ونعاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أنه فقد برحيله «أباً ومعلماً وإنساناً غيوراً على وطنه»، وهي صفات تحلى بها الراحل وطبعت مسيرة استغرقت من عمره أكثر من نصف قرن، كان فيها شاهداً وقائداً في أكثر من حرب ومعركة.

أما توليه مسؤولية البلاد في ظرف حساس بعد تنحي مبارك، فدفعته إلى خوض واحدة من أشرس المعارك السياسية والأمنية التي واجهت مصر في العصر الحديث، وقد خاضها الراحل برباطة جأش ومصابرة براً ببلاده وشعبه. ويذكر الجميع أن تلك الفترة الدقيقة كان يمكن أن تنزلق فيها مصر إلى وجهة لا يرضاها لها أحد، في ظل المؤامرات الشاملة والحروب والفتن التي اندلعت وطوقت محيطها الحيوي، خصوصاً ما جرى ولا يزال في ليبيا وسوريا واليمن، وقد كان كل ذلك مخططاً مدروساً وموضوعاً لغايات تدمير المنطقة.

ومن حسن حظ المنطقة أن طنطاوي ورفاقه في المجلس العسكري آنذاك تمتعوا بوعي ثاقب واستطاعوا أن يمتصوا المؤامرة ويحولونها إلى فرصة لإنقاذ مصر والمنطقة من شر مستطير كان يتعاظم خطره من قبل أعداء المنطقة الظاهرين والباطنين معاً. ولكن الدولة المصرية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية العريقة، استطاعت أن تبدل الخوف أمناً وردت مخططات التخريب والتدمير على أعقابها، وفتحت ورش التنمية والإعمار في كل محافظات البلاد بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013.

رحل طنطاوي فارساً عظيماً وبقيت مصر، وفي ذاكرتها صورة الرجل «المهذب اللطيف» ذي السحنة السمراء، الذي كان أميناً في كل المسؤوليات والمناصب التي تولاها طوال مسيرته. وفي وفاة رجل دولة بهذا المقام، تمتزج مشاعر الحزن والفخر، ويتماهى الشخصي بالوطني، والعبرة أن رجلاً مثل المشير الراحل، سيظل من العلامات المضيئة التي عرفتها مصر ومؤسستها العسكرية بالذات، التي ظلت مؤتمنة على تلك البلاد على مدى التاريخ إلى يومنا هذا. وما فعله طنطاوي سيظل في الذاكرة الجماعية عنواناً للإيمان بالوطنية والصبر والحكمة. كما ستظل ذكراه درساً للأجيال المقبلة لتعرف التضحيات التي قدمها السابقون. وفي التاريخ قصص وبطولات كثيرة، لكن عندما تتعلق بالأوطان تصبح ملاحم عابرة للزمان، أبطالها نجوم خالدة لا يمكن أن تنسى أو تغيب عن الذاكرة.

سيكون لمصر خلفاء كثر لطنطاوي، في المؤسسة العسكرية وفي كل الميادين، والأمم الحية لا تعرف العقم أبداً، فما أن تودع بطلاً حتى يأتي آخر، ليستكمل التاريخ دورته وتستمر إنجازات الرجال وسير الأبطال.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/599htvmv