عادي

حلف «أوكوس».. سلاح أمريكا لمواجهة الصين

00:38 صباحا
قراءة 4 دقائق
رقعة الشطرنج بين أمريكا والصين

كتب: وائل بدر الدين

في أعقاب الشرخ الكبير الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الشهر الماضي بين جانبي الأطلسي، وتداعياته على خارطة التحالفات الدولية، يبدو أن ذلك الشرخ آخذ في ضرب المزيد من ثقة حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين وغيرهم، بعد الإعلان الأمريكي عن إنشاء تحالف جديد مع كل من بريطانيا وأستراليا بدون استشارة الحلفاء الآخرين أو حتى دعوتهم للانضمام، فالصين أضحت الهدف الأول للإدارة الأمريكية من هذا الحلف الجديد، في مواجهة تعيد للأذهان ذكريات الحرب الباردة التي يمكن أن تتطور إلى أكبر تهديد للاستقرار العالمي.

بعد أقل من شهر على مغادرة آخر طائرة أمريكية أفغانستان، في خطوة أضرت كثيراً بثقة حلفائها الأوروبيين فيها، أعلنت الولايات المتحدة عن حلف «أوكوس» الذي يجمعها بكل من بريطانيا وأستراليا للتعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث لم يكن إنشاء هذا التكتل الجديد مجرد إعلان، بل إنه أوصل مستوى الثقة في الدور الذي تلعبه أمريكا عالمياً إلى الحضيض، خاصة أنه أضر بطريقة مباشرة بدول كبرى من الحلفاء التاريخيين، ففرنسا أعربت عن صدمتها من تراجع أستراليا عن صفقة الغواصات التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، واستبدالها بغواصات أمريكية تعمل بالوقود النووي، وهو ما وصفته باريس بأنه طعنة في الظهر، موجهةً سهام نقدها تجاه الحليف الأمريكي الذي تصاعدت ضده لهجة الانتقادات، الأمر الذي حدا بخبراء السياسة العالميين للقول إن الآمال التي كانت مرتبطة بوصول الرئيس جو بايدن إلى السلطة لترسيخ التحالفات مع الجانب الآخر من الأطلسي، تلاشت جميعها في ظل التطورات الأخيرة.

الرئيس الأمريكي جو بايدن ظهر بشكل مخالف لما كان يتوقعه الأوروبيون الذين عقدوا الآمال على حقبة جديدة تشهد نمطاً مغايراً لما كان عليه الوضع إبان حقبة الرئيس دونالد ترامب، الذي كان ينظر إليه الأوروبيون على أنه أكبر تهديد لعلاقاتهم التاريخية مع الولايات المتحدة بسبب لهجته الحادة وصرامة مواقفه من بعض القضايا التي تجمع الطرفين، بما يصب في مصلحة أمريكا أولاً، بيد أن الأوضاع الحالية تشير إلى أن أكثر ما كان يُقلق الأوروبيين من توجهات ترامب الشعبوية وميله نحو تفضيل مصالحه على الغير، تحقق في عهد بايدن الذي كان يُنظر إليه على أنه الداعم الأكبر لتوثيق العلاقات مع الحلفاء والشركاء الدوليين، وهو ما أحدث صدمة في الأوساط السياسية العالمية، خاصة بعدما انسحبت أمريكا من أفغانستان دون استشارة حلفائها الأوروبيين، ومن ثم دخولها إلى الحلف الجديد بدون التشاور معهم أيضاً، بهدف الدخول في مواجهة مع الصين، بما يمثل تحولاً تاريخياً في خريطة التحالفات العالمية وبنية النظام الدولي، إلى جانب طبيعة التنافس والصراع العالمي على النفوذ والهيمنة.

أستراليا والصين

لم تقتصر تداعيات هذا التكتل العسكري الجديد على إغفال الشركاء التاريخيين وعدم استشارتهم، بل امتد ذلك لأن تصل أستراليا إلى مرحلة «الغدر» بفرنسا حسب بعض الخبراء، حيث تخلت عن صفقة عسكرية مع فرنسا بقيمة ٥٠ مليار دولار، منحازةً إلى التحالف الأمريكي الساعي «عبثاً» إلى محاصرة الصين واحتواء نفوذها، لتصبح فرنسا لا في عير الساحة الدولية ولا في نفيرها، ما أدى إلى صورة أكثر وضوحاً عما يتعين على حلفاء واشنطن اتخاذه من إجراءات لحماية نفسهم بعيداً عن الاعتماد على الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، فإن اصطفاف أستراليا السريع مع الولايات المتحدة ضد الصين من شأنه أن يجعلها عرضة للتهديدات الصينية، وإمكانية خسارتها تدفقات تجارية ضخمة مع التنين الذي يعتبر بين أكبر الشركاء الاقتصاديين لأستراليا، ولكن أكثر ما يثير الاستغراب هو أن الصين لم تشكل يوماً تهديداً عسكرياً أو اقتصادياً لأستراليا، وهو ما يجعل ردة فعل التنين أكثر قسوة عليها في حال خرجت الأمور عن السيطرة، حيث لوحت وسائل إعلام رسمية في الصين بعمل عسكري ضد أستراليا كأول الضحايا في بحر الصين الجنوبي.

بعض المسؤولين والخبراء الأمريكيين برروا هذا التوجه الجديد بعدم رغبة أوروبا، خاصة فرنسا، في الدخول بأي تحالف جديد ضمن إطار الصراع المتنامي بين الصين وأمريكا، التي لا تزال متمسكة بأحلام العالم أحادي القطب، حيث ترى أوروبا مصلحتها العليا في تفادي الانخراط في هذا المعترك والمحافظة على استقلاليتها وعلاقاتها القوية مع الجانبين بما يحفظ استقرارها سياسياً واقتصادياً. ولكن يبدو أن المزيد من الدول ستوافق على المشاركة في هذا التكتل الجديد، مثل اليابان والهند.

ولكن الواقع يشير إلى أن هذه الأحداث الأخيرة، ما هي إلا نهج أمريكي استراتيجي لإنشاء تكتلات تتناسب مع أولوياتها بعيداً عن التحالفات التقليدية التي ترى أن الزمن قد عفا عليها، فبمتابعة النهج الأمريكي العام منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، يتضح أن سياساته كانت تتمحور حول التخفيف تدريجياً من العلاقات الوثيقة مع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وجاء جو بايدن ليستكمل هذه المسيرة بالتخلص من التكتلات القديمة بطريقة مهينة للشركاء، بما يخالف لغته الدبلوماسية التي تؤكد وقائع الأحداث أنها على النقيض تماماً.

حقبة جديدة

الصين من جانبها دانت هذا الاتفاق، ونقلت وسائل إعلامها على لسان مسؤوليها أن تلك الخطوة ما هي إلا تصعيد ضمن سياق الحرب الباردة، وأن ذلك يزعزع الأمن والاستقرار الدوليين ويزيد من وتيرة سباق التسلح العالمي، ولم تبدِ في الوقت ذاته أي رغبة في التزحزح عن موقفها الصارم وطموحاتها للهيمنة على أكبر نطاق جيوسياسي ممكن. لا شك في أن وسائل الإعلام الغربية تعمل على رسم صورة شيطانية عن الصين لتكون في نفس درجة العداء الذي واجهه الاتحاد السوفييتي سابقاً، لكنها أغفلت الاعتراف بمكانة الصين وثقلها الدولي وقوتها العسكرية المتنامية، فالتنين مستعد اليوم لخوض أكبر المعارك ومقارعة أعتى التحالفات العالمية التي تهدد بشكل أو بآخر أمنه وطموحاته، خاصة أن العالم يشهد حالياً حقبة بدأت ترتسم فيها معالم جديدة لمراكز القوى العالمية في آسيا والحيط الهادي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"