عادي

قمة بوتين ـ الأسد.. التسوية تقترب

00:33 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور*

الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو (14 سبتمبر الجاري)، اتسمت بأهمية كبيرة، سواء من حيث توقيتها والظروف المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بها، أو من حيث الأجندة الواسعة لقمة الرئيسين بوتين والأسد، ونتائج هذه القمة، أو من ناحية انعكاسات هذه النتائج على الأوضاع في سوريا واحتمالات تطور المسار السياسي لتسوية الأزمة السورية.

من ناحية التوقيت جاءت الزيارة بعد أشهر قليلة من فوز الأسد في الانتخابات الرئاسية في مايو الماضي. كما جاءت الزيارة بعد أيام من البدء في تنفيذ اتفاق التسوية في درعا بإشراف ومشاركة أساسية من جانب روسيا، بما يحققه الاتفاق من سيطرة للقوات السورية على «درعا البلد» وأريافها ومحيطها، وما يمثله من انتصار عسكري وسياسي ذي أبعاد استراتيجية في هذه المنطقة المهمة جنوب غربي البلاد.

كمال تزامنت الزيارة مع بدء المفاوضات حول تنفيذ خطة إمداد لبنان بالغاز المصري عبر الأردن وسوريا، والكهرباء الأردنية عبر سوريا، وهو ما يمثل اختراقاً مهماً ل«قانون قيصر» ومختلف أشكال الحصار الاقتصادي الأمريكي لدمشق. وكذلك جاءت الزيارة في ظل تصعيد سوري روسي مشترك، ضد الفصائل الإرهابية في منطقة إدلب الكبرى، بامتداداتها شمالي حماة واللاذقية وغربي حلب، رداً على الاعتداءات المستمرة من جانب تلك الفصائل، وسعياً إلى فرض تنفيذ (اتفاق مارس 2020) بين بوتين وأردوغان، لوقف إطلاق النار في إدلب (شمال غربي سوريا).

احتمالات الانسحاب الأمريكي

أما الخلفية العامة البالغة الأهمية لكل هذه التوقيتات والتطورات، فهي انعقاد القمة السورية الروسية بعد أسبوعين من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، في إطار توجه أمريكي عام للانسحاب من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وتركيز الثقل الاستراتيجي للولايات المتحدة شرقي آسيا في مواجهة الصين.

وفي هذا السياق تم الاتفاق مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أثناء زيارته لواشنطن مؤخراً على سحب الوحدات القتالية الأمريكية من العراق بحلول نهاية العام، مع إبقاء الوحدات المسؤولة عن التدريب وصيانة الأسلحة.

ومن شأن مثل هذا التطور أن يجعل القوات الأمريكية قليلة العدد في سوريا، في وضع ضعيف ومكشوف قتالياً، وغير مواتٍ من الناحية اللوجستية.

ولهذا فإن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا قد أصبح موضوعاً مطروحاً للنقاش مؤخراً.

والأمر الأخر هو ما يسمونه «المصالح النفطية الأمريكية المتمثلة في سيطرة شركة «دلتا كريسينت إنيرجي» بالمشاركة مع الإدارة الذاتية الكردية، على حقوق النفط السورية في منطقة شرق الفرات، بصورة غير قانونية، واستغلالها لإنتاج تلك الحقول.

الموضوع الأكبر والأهم بالطبع هو مصير الأكراد.. ولا يتسع المجال هنا لمناقشة تفصيلية، ولكن يبدو السيناريو الأرجح، في حال انسحاب القوات الأمريكية، هو أن تتم تصفية «الإدارة الذاتية» وعودة المناطق الكردية إلى سيطرة دمشق، مع منح الأكراد حقوقاً تكفل لهم الحفاظ على هويتهم الثقافية، وليس «الحكم الذاتي» الذي يطالبون به، وأن تتم المفاوضات بينهم وبين دمشق بوساطة روسية، أو بإشراف روسي، استناداً إلى العلاقات القائمة بينهم وبين موسكو.

أجندة حافلة

ويمكن القول إن كل النقاط التي تحدثنا عنها أعلاه، كانت في صلب أجندة محادثات قمة بوتين والأسد، باعتبارها نقاطاً تدخل في صلب أية تسوية سياسية في سوريا (القضاء على الإرهاب وخروج القوات الأجنبية ووحدة وسيادة سوريا وسلامة أراضيها)، وهي كلها نقاط محل اتفاق كامل بين دمشق وموسكو، وتضاف إليها حسب التصريحات الرسمية للقمة، قضية استكمال عمل لجنة مناقشة الدستور (الدورة السادسة لاجتماعات اللجنة) المقررة قريباً في جنيف.

وهنا يجب القول إن روسيا تُبدي اهتماماً بها أكثر مما تبديه دمشق، التي لا ترى سبباً يدعوها إلى تقديم تنازلات لصالح المعارضة في قضايا تتصل بشكل الحكم والحريات السياسية للمعارضة، طالما أن علاقات القوى على الأرض لا تفرض هذه التنازلات، خاصة أن المعارضة تريد دستوراً جديداً على النمط الغربي، بينما تصر دمشق على تعديل الدستور القائم في إطار التمسك ب«الثوابت الوطنية» المعروفة.

والأرجح أن يظل النقاش مفتوحاً دون تقارب بين وجهات النظر، أو أن توافق دمشق على تعديلات محدودة للدستور الحالي.

الاقتصاد وإعادة الإعمار

احتل التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين مكاناً مهماً في محادثات القمة، ومعروف أنها علاقات واسعة ومتشعبة للغاية، خاصة في ظل الحصار الاقتصادي الأمريكي والغربي على سوريا، وخوف معظم الدول من العقوبات الأمريكية في حالة اختراق «قانون قيصر». ويمكن أن نشير هنا إلى استثناءات محدودة مثل إيران ذات «الجسور المحروقة» أصلاً مع أمريكا، والصين صاحبة الاقتصاد العملاق التي لا تعبأ كثيراً بالنواهي الأمريكية، لكن روسيا تظل ذات مكانة خاصة في مجال التعاون الاقتصادي مع سوريا، سواء في مجال إمدادها بالمحروقات والمواد الغذائية والتعاون في مجال الإعمار، كما قامت هذا الصيف بحماية إمدادات البترول الإيراني إلى سوريا، وتضاف إلى ذلك المساعدات في مكافحة كورونا.

وأشار الرئيس الروسي بوتين إلى أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وسوريا، قد شهد قفزة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري بنسبة 350%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وتم الاتفاق خلال القمة على مواصلة توسيع التعاون.

وخلاصة القول إن القمة ستكون لها انعكاسات إيجابية بارزة سواء في مجال التسوية السياسية، أو في ما يتصل بكسر الحصار الأمريكي على سوريا.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"