عادي

مراهقة الـ«سوشيال ميديا».. سبب جديد للطلاق

تشكل خطراً على استقرار الحياة الأسرية
23:54 مساء
قراءة 6 دقائق

تحقيق: محمد الماحي
أصبحت الهواتف الذكية المتصلة بالإنترنت وسيلة ترفيهية تزيد من تواصلك مع العالم الخارجي بسهولة، إلا أن استخدامها المفرط يؤدي إلى العديد من المشاكل الصحية والنفسية، وباتت مواقع التواصل الاجتماعي تشكل خطراً على استقرار الحياة الزوجية.

ومع التقدم التقني وغياب الضوابط العامة وانعدام المسؤولية بين الأزواج انتشرت مؤخراً، ما يمكن تسميتها ب«مراهقة الكبار عبر السوشيال ميديا» التي تعني إقامة أحد الزوجين علاقة مع طرف آخر خارجي، وتتراوح هذه العلاقة بين الحديث المسموع، والمشاهدة المباشرة عبر الإنترنت، أو تبادل الرسائل، أو الصور، ما أدى إلى وجود حالات طلاق فعلي، وطلاق صامت.

كشفت وزارة تنمية المجتمع عن ارتفاع عدد الاستشارات الأسرية التي تعاملت معها بنسبة تفوق ال200% خلال الأعوام الأربعة الماضية، وتصدرت القائمة المشكلات المالية وسوء إدارة عمليات الإنفاق، بوصفها أبرز أسباب الخلافات بين الزوجين، فيما شكّل الانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي واحداً من أبرز أسباب الخلافات بين حديثي الزواج.

وتُمكن خدمة «الاستشارة الأسرية» فئات المجتمع كافة، مواطنين ومقيمين، من طلب الحصول على استشارة أسرية لمعالجة مشكلاتهم، ويتطلب ذلك إنشاء ملف شخصي من خلال التسجيل عبر رابط إلكتروني، ولا يستدعي تقديم أي نوع من الوثائق.

وعزت الوزارة سبب زيادة عدد طلبات الاستشارات الأسرية إلى تنامي الوعي المجتمعي بأهمية الحصول على الدعم والمشورة من اختصاصيين اجتماعيين ونفسيين، للتمكن من معالجة المشكلات العائلية بطريقة علمية تضمن منع انهيارها، فضلاً عن تعزيز قنوات الوصول إلى خدماتها.

أشخاص وهميّون

وتزداد حالات الطلاق بسبب مواقع التواصل في الآونة الأخيرة.. وفي أحدث واقعة شهدتها محاكم الدولة، لم تكن تعلم «نجود» أن حديثها مع أحد الأشخاص الوهميين عبر «السناب شات»، سيكون بداية النهاية لمشروع الأسرة السعيدة، التي بدأته مع زوجها «حمد» قبل أعوام، حيث رزقت نجود 3 أطفال، وبذلت الزوجة الشابة كل طاقتها في سبيل إسعاد أسرتها الصغيرة.

ولكن نجود سئمت انشغال زوجها حمد عن الأسرة، نظراً لحجم أعماله الكبير، بسبب شركته الخاصة، وأصبحت تفتقد وجوده وحديثه، وحتى أمسيات العشاء الجميلة بينهما. وحرصت على ألا تشتكي، وألا تخلق النكد للزوج كلما كان موجوداً في البيت.

بدأت بالحديث مع أحد الأشخاص الوهميين، لتشكو له أوضاع أسرتها، إلا أن الزوج اكتشف هذه العلاقة، وأثار مشكلة كبيرة، رافضاً هذه العلاقة، وإن كانت افتراضية، وتوجه لمحامٍ لرفع قضية طلاق، بسبب الخيانة الزوجية، مطالباً المحامي بضرورة إسقاط جميع حقوق الزوجة، ومطالباً في الوقت ذاته بحضانة الأطفال.

وفي المقابل، حرص أفراد مصلحون من عائلة الزوجة، على التدخل في الموضوع، وإقناع الزوج بألا يستمر في إجراءات القضية، حفاظاً على كيان البيت، وعدم تشتيت الأطفال، ومنح الزوجة الشابة فرصة أخرى، ومطالبته بألا يهملها عاطفياً، وضرورة حرصه أيضاً على تحقيق التوازن بين أسرته وعمله الخاص. وليقين الزوج بأن الصلح خير، قام بإرجاع زوجته، ليبدأ معها صفحة جديدة من حياة زوجية تسودها السعادة والتفاهم والانسجام.

وفي واقعة أخرى، اتفقت زوجة مع زوجها على عدم تحميل برنامج التواصل الاجتماعي على هاتفه، لكنه غيّر رأيه في الآونة الأخيرة، ما دفع الزوجة لطلب الطلاق فوراً، ووصلت القضية إلى المحكمة، بعد أن اختار الزوج الإبقاء على برنامج التواصل الاجتماعي.

وإحدى أغرب قضايا الطلاق التي شهدتها المحاكم بسبب «السوشيال ميديا» هي حين تعرف زوج إلى فتاة عبر إحدى المنصات، ووقع في حبها «تواصلاً بأسماء وهمية»، وتطورت العلاقة بينهما، ليكتشف أنها أخت زوجته، وعندما علمت الزوجة طلبت الطلاق وحصلت عليه.

صفحات مزيفة

فتحت مواقع التواصل الباب أمام الأزواج للكشف عن الكثير من تفاصيل حياتهم على هذه الفضاءات الإلكترونية، ولم تعد هناك مخاوف من إعلام الأشخاص الغرباء بالأسرار العائلية، وتفضل العديد من النساء الحديث عن حكاياتهن وآلامهن لأخريات في جروبات نسائية على مواقع التواصل، طمعاً في إيجاد حل أو الاستمتاع بالفضفضة، ما يعد مسبباً جديداً للطلاق والانفصال. ومن كوارث الجروبات النسائية على «السوشيال ميديا» أن بعض الشباب الذكور يمكنهم الدخول بأسماء وصفحات مزيفة، ويتجسسون على الفتيات ويشاهدون صورهن وتعليقاتهن، ويتحدثون مع بعضهن على الخاص ويعرفون معلومات يبتزون بها الفتيات، وبالتالي يجب الحرص في التعامل مع هذه الجروبات، لأنها تمثل خطراً على المجتمع.

وحذّرت المستشارة النفسية الأسرية الدكتورة هند البدواوي، الأزواج من إفشاء أسرار الحياة الأسرية خارج نطاق البيت، مشددين على ضرورة أن تكون طي الكتمان حفاظاً على الأسرة وصيانة لكرامتها وتقوية لدعائمها، حتى تستقر على أسس سليمة.

وأضافت أن الزواج إذا كان رباطاً مُقدّساً بين الزوجين وقائماً على المودة والرحمة، فمن الحكمة أن تظل أسرار البيوت طي الكتمان، فلا يطلع عليها الأهل والأصدقاء، لأن الإسلام لا يقرّ إفشاء أسرار الزوجين، بل ويحرّم أيضاً هذا السلوك البغيض، مشيرة إلى أن عدم إفشاء الأسرار الزوجية يمثل قاعدة أساسية لنجاح العلاقة بين الأزواج، وأي انتهاك من أحد الطرفين يؤدي إلى نشوب خلافات كبيرة.

الانفعال والهروب

وحذّر اختصاصيون ومحامون عبر «الخليج» من الاستخدام المفرط لبرامج التواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة الواحدة، لافتين إلى أن الاستخدام للمنصات من قبل شريحة الأزواج الشباب، بات في مقدمة الأسباب المؤدية إلى الطلاق.

ويقول الدكتور نواف يوسف سلطان النعيمي الاختصاصي النفسي، إن العديد من الدراسات الاجتماعية والنفسية أكدت أن هناك تأثيراً كبيراً في العلاقات الأسرية بشكل عام، والزوجية بشكل خاص، من الانفتاح الذي تعيشه وسائل الاتصالات الحديثة التي سهّلت من التواصل الاجتماعي بين مختلف شرائح وفئات المجتمع، بل وسهّلت إيصال الصورة والكلمة والشعور، حتى تعدى ذلك إلى الوصول لمرحلة «الخيانة الزوجية».

وأضاف أن «الاستخدام السيئ لهذه الوسائل يؤدي إلى الاختلافات بين الأزواج بشكل عام، لأنهم أصبحوا يستخدمونها كنوع من التفريغ الانفعالي، أو الهروب من الواقع، وسد الفراغ الزوجي ما بين الطرفين، فكل منهما بدأ يخلق عالماً افتراضياً يجد نفسه فيه ليُشبع الرغبات التي حُرم منها في العلاقة الزوجية، كالحب، والاحترام، وحرية التعبير»، لافتاً إلى أن الزوج أصبح يلجأ «للسوشيال ميديا» ليجد من يقدّر ذاته ويحترمه، وهذا يؤدي إلى نشوء علاقات من خارج الأسرة لإشباع رغباته فيقل اهتمامه بأسرته، ما يزيد المشاكل التي تصل للطلاق.

وتابع النعيمي «الاستخدام السيئ لهذه الوسائل يساعد على تفشي الأسرار، فتوثيق بعض اللحظات في وضعيات معينة قد يسبب إشكاليات، ومن الممكن أن تقوم الزوجة بإرسال صورتها لصديقتها وسوء استخدام هذه الصورة قد يصل إلى الزوج، ما يعد مسبباً جديداً للطلاق والانفصال بل والعزلة الاجتماعية».

أنواع جديدة

حذر المحامي عبدالله الكعبي، من الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل من قبل الأزواج، وهو سلوك بات يتسيّد الظواهر المجتمعية التي تعصف باستقرار الحياة الزوجية، ويزيد من نسب الطلاق، مشيراً إلى أنها ساهمت في ظهور أنواع جديدة من الخلافات الأسرية لم تكن معروفة في السابق، أدت لرفع معدلات الطلاق في الدولة، كغياب الحوار والتفاهم والانسجام الكافي بين الزوجين، والذي يتأتى من الحوار، هذه الوسائل سيف ذو حدين لها إيجابياتها وسلبياتها، وقد شهدت المحاكم ملفات طلاق كثيرة بسبب هذه المواقع وقلة الوعي والجهل أحياناً من قبل الزوجين، وعدم معرفة حقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر، حيث تدفع الأسرة والأطفال ضريبة سوء استخدام هذه التقنية.

وأضاف أن الاستخدام الخاطئ للمنصات من قبل شريحة من الأزواج الشباب، بات في مقدمة الأسباب المؤدية إلى الخلافات الزوجية، وربما الطلاق في بعض الحالات، لا سيما بعد اتساع ظاهرة المظاهر والبهرجة، والتصنّع والتمثيل على هذه المنصات، وما نراه من صور ومشاهد حميمية بينهما، لا يتعدى كونه خروجاً عن الواقع للتغطية على حقيقة حياتهما المملوءة بالمشاكل والخلافات، وربما التورط بديون وقروض لمشابهة الآخرين.

وأشار إلى خطورة عرض الزوجة مشكلتها مع زوجها على مواقع التواصل الاجتماعي بأسلوب رخيص، يخلو من الحياء والخصوصية والستر.

نصائح الآباء

أما المحامي عبيد الصقال، فيرى أن وسائل التواصل الاجتماعي صارت تمثل عاملاً رئيسياً في كثير من الخلافات الأسرية، إذ تحولت إلى مصدر للثقافة بدلاً من نصائح الآباء المخلصة، كما أنها أصبحت واجهة لعرض تفاصيل وخصوصيات الحياة الزوجية، فتجد الزوجين يخرجان سوياً وكل منهما ممسك بهاتفه، إما مشغول بتصفح محتواه، وإما نقل ما يحدث لمتابعيه على شبكات التواصل. وأضاف أن من سلبيات هذا الانفتاح كذلك، عرض المشكلات الشخصية على حسابات التواصل، فتحكي الزوجة مشكلاتها مع زوجها حتى لو بشكل عام من دون الإشارة المباشرة إليه، فيشارك أحدهم بتعليق مسيء إليه، ليتصاعد الخلاف ويتحول إلى قطيعة حقيقية تنتهي عادة بالطلاق.

وأوضح إن كثيراً من الأزواج الجدد يستمدون ثقافاتهم من الدراما والمحتوى المزيف لوسائل التواصل الاجتماعي، وليس لديهم إدراك حقيقي عن واقع الزواج، والحقوق والواجبات اللازمة على كل طرف، فيتخيلون أن الحياة كلها سفر وخروج وتسوّق، ثم يصطدمون بواقع مختلف ليسوا مؤهلين له، فيقع الخلاف والطلاق.

وأوضح أنه بالنظر إلى مشكلات أسرية عدة تعاملت معها المحكمة فإن كثيراً من الأزواج الجدد يستمدون تجاربهم من «إنستجرام» و«سناب شات»، ولا توجد تجارب إنسانية حقيقية مبنية على الاحتكاك الطبيعي بالغير.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"