الاحتلال العسكري الغربي وتحولاته

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

قضى الساسة الأمريكيون والبريطانيون ونظراؤهم الأستراليون آلاف الساعات بعد انتخاب الرئيس بايدن، وهم يضعون خططهم ويتفاوضون حول قضايا الأمن، ليعلنوا للعالم عن تغييرات عسكرية خطيرة على خارطة الاستراتيجية الدولية؛ حيث سقطت أقانيم السياسة المعهودة في محاولة لتغيير موازين القوى في العالم، بعد أن استتبت تلك الموازين في السنوات العشر الأخيرة.

إن أخطر ما يواجه العالم، في هذه اللحظات من عمر التاريخ، التلويح بالقوة العسكرية النووية؛ حيث صُدم العالم بهذا التحالف المدوي، غير المسبوق سرعة واتساعاً، مقارنة بكل التحالفات البراغماتية الكبرى. فقد انضم رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، للإعلان عن شراكة أمنية جديدة في مواجهة الصين،

واللافت في هذا التحالف أنه كشف عن صفقة غواصات تعمل بالطاقة النووية، ستشتريها أستراليا من الولايات المتحدة. وكانت أستراليا قد تعاقدت عام 2016 مع فرنسا لكي تبني لها أسطولاً مؤلفاً من اثنتي عشرة غواصة بقيمة 40 مليار دولار أمريكي. وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على ذلك الاتفاق تراجعت الحكومة الأسترالية عن الاتفاق، دون تقديم تفسيرات للحكومة الفرنسية.

إن الإعلان عن ولادة ذلك التحالف بهذا الشكل، لاسيما ما يتعلق منه بصفقة الغواصات، هو انقلاب على فرنسا التي كانت ركناً أساسياً في التحالف ضد دول المحور، وخاصة المنظومة الشيوعية، أما اليوم فقد أصبح وجودها في التحالف يمثل عبئاً على الدول الأخرى فيه. ولعل بريطانيا هي التي تقف وراء ذلك التحول ضد فرنسا، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي الذي تسيطر عليه ألمانيا وفرنسا، قد تعامل مع موضوع خروج بريطانيا منه بشكل سيئ، ولم يتم عقد اتفاق لمرحلة ما بعد الخروج إلا في اللحظات الأخيرة من نهاية العام الماضي، وكلما كانت بريطانيا تتحدث مع فرنسا أو ألمانيا حول اتفاقية الخروج، كانت الدولتان تحيلانها إلى المفوضية الأوروبية، ما أوغر صدر بريطانيا على كلتا الدولتين، لاسيما من فرنسا، ذلك الحليف القديم لها في الحربين العالميتين، وأكبر قوتين عند تأسيس الاتحاد الأوربي، لذا فكرت بريطانيا كيف ترد لها هذا الصاع. وقد جاءت اللحظة الحاسمة بحرمان فرنسا من هذه الصفقة في ضربة سيكون لها أثرها القوي على الاقتصاد الفرنسي.

وفي نفس الوقت جاءت الفرصة لإعلان التحول في السياسة البريطانية، فقد ترسخ لدى النخبة الحاكمة فيها أن عالم اليوم يميل نحو الندرة والتقلص، وأن الاستعانة بالأشقاء في أستراليا والولايات المتحدة هو الوسيلة الوحيدة لضمان مستقبل آمن لها، فأستراليا قارة كاملة بمساحة تقدر بخمسة ملايين كيلومتر، مع امتدادات هائلة حتى القارة القطبية الجنوبية، كما أن الولايات المتحدة هي ذات أصل إنجليزي، وقد وقفت الولايات المتحدة إلى جانب بريطانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان لوقوفها أثر حاسم في كسب النصر على ألمانيا. وبالتالي فالولايات المتحدة هي أخلص وأصدق حليف لبريطانيا في العالم. واليوم تتعرض الولايات المتحدة لتحد خطير لم يسبق أن تعرضت إلى مثله من قبل، وهو التحدي المتمثل بصعود الصين إلى قمة العالم، الأمر الذي يجعلها مهتمة جداً بالعمل على عرقلة نموها. وليست هناك دولة في العالم أقرب إليها من بريطانيا، ما جعلها تتكل عليها في مسألة تحجيم الصين، ومنعها من التغلب عليها في السيطرة على العالم. ومع هذه الخطوة الجديدة، فإن أستراليا ستلعب دور فرنسا كشريك كامل للولايات المتحدة مع بريطانيا، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية.

لكن ما هو أثر ذلك التحالف على الصين؟ في الواقع إن الصراع الأمريكي الصيني قد وصل إلى مرحلة خطِرة اليوم، وهناك احتمال يشير إلى اندلاع حرب عالمية عظمى، وخصوصاً أن الصين تريد أن تحفظ محيطها الحيوي المتمثل ببحر الصين الجنوبي، الذي هو شريانها للتواصل مع غرب العالم عبر مضيق ملقا، وعندما تقف الدول الثلاث في وجهها، وتجبرها على تقليص نفوذها في ذلك البحر فهذا يعني أنها ستتراجع إلى الوراء، لاسيما أن هناك حلفاء للدول الثلاث في تلك المنطقة مثل: اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وبعض الدول الأخرى التي ستسير في السياسة المعادية للصين. وفي المقابل فإن الصين نجحت في نسج تحالف راسخ مع روسيا ومع كل دول منطقة آسيا الوسطى، والتي تشكل محيطاً آمناً لها، وبما يسمح لها بتركيز جهدها العسكري على جبهة واحدة، وهي بحر الصين الجنوبي.

[email protected]

 

 

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"